مواضيع ومقالات التنمية والتطوير

التعليم والتنمية البشرية المستدامة (المفهوم ، العلاقة ، المبادئ)

يداً بيد نحو مستقبل آمن ومزدهر

الاتحاد العالمي لتقنيات التنمية البشرية والتطوير الذاتي

World Union of Techniques of Human Development and Self-Development

Hand in Hand Towards a Secure and Prosperous Future

مقدمة :

لقد أضاع العالم المسمى بالنامي ما يقرب من نصف قرن في الاعتقاد الخاطئ بأن التنمية تتعلق بتكوين ومضاعفة رأس المال المادي. وليس من الضروري أن يضيع نصف قرن آخر في الاعتقاد بأن التنمية البشرية المستدامة تتعلق برأس المال الطبيعي. فالخبراء والمختصون الجامعيون، وصناع القرار ومسئولو  الأمم  المتحدة، مهما صفت نواياهم وتسامحت أفكارهم، لا يستطيعون منع تدهور البيئة مثلا. بل إن الشيء الوحيد القادر على إيقافه هو قدرة الناس على حماية بيئتهم المحلية والدفاع عنها ضد أعمالهم نفسها وأعمال الناس الخارجيين. وهذا يعني وضع الناس في المرتبة الأولى بالاعتراف بأهمية توسيع خياراتهم وقدراتهم. فهناك حاجة إلى تكامل التنمية المستدامة والتنمية البشرية بطريقة تقوي المؤسسات على الصعيدين المحلي والوطني، وفي الوقت نفسه توسع وعي الناس بأمراض التنمية كما هي مفهومة في أذهانهم حتى الآن.

إن النموذج التقليدي للتنمية لم يعد مقبولا، فرغم أن نهاية الشيوعية ترتبط في أذهان الكثيرين بانتصار اقتصاد السوق، والديمقراطية الليبرالية، إلا أنه يتضح باطراد بأن الطريقة التي اعتدنا أن نفكر بها في التنمية لم تعد ملائمة. فليس هناك مجال للزعم بأن ” كل شيء على ما يرام ” خصوصا وأن الوضع الراهن يتميز بأزمة ثلاثية تؤثر على التطبيقات التنموية. فالأزمة الأولى هي أزمة الدولة، وهي مؤسسة فقدت الكثير من سلطتها في ظل العولمة، والشركات العابرة للقارات، وشبكة المعلومات العالمية، ولم تعد موضع ثقة في كثير من البلدان. والأزمة الثانية هي أزمة السوق. فالسوق بمساعدته على التعجيل باستغلال الموارد الطبيعية القليلة، وبتقديمه الحوافز على تقويض أنظمة الأمن، وبوضعه مبدأ ” جعل الأسعار صحيحة ” فوق الاعتبارات الأخرى ـ إنما يزرع الشكوك والمخاوف في أذهان الناس، وهو بذلك مهدد بفقدان كثير من الدعم الذي كان يلقاه. أما الأزمة الثالثة، فهي أزمة العلم. فانغلاق العلم على نفسه أكثر من اللازم، وعدم قدرته على المحافظة على التنوع الحضاري، جعله ـ رغم أهميته ـ مثارا للمشاكل والجدل.

إن هذه الأزمة الثلاثية الأبعاد تدعوا إلى وضع تعريف جديد للتنمية يستفيد من دروس الماضي. وهذا المنظور الجديد يؤكد على قيمة التنوع الحيوي والمؤسسي، وعلى دور مؤسسات المجتمع المدني ومنظمات العمل العربي المشترك عاملا رئيسيا في التنمية المستدامة، وهو يهتم بالمشاركة الاجتماعية في التنمية والاستفادة من نتائجها، ويعتبر التراث الاجتماعي رصيدا كامنا من القدرة والطاقة. وأخيرا فإن هذا التعريف الجديد ينبغي أن يركز على الدور الذي يؤديه رأس المال الاجتماعي من خلال مؤسساته المختلفة في التنمية المستدامة.

أولا ـ التنمية مفهومها، أسسها، وأهدافها :

التنمية عملية شاملة متكاملة يتوقف نجاحها على ما يقوم به البشر من جهد متعدد الجوانب والأشكال. والتنمية، كمفهوم، شاع الحديث عنها عقب الحرب العالمية الثانية بخاصة، لما نجم عنها من مشكلات اجتماعية بارزة دفعت بدول العالم إلى بذل جهود مضاعفة لتغيير أوضاعها وتحسين أحوالها المادية. لذا فقد ارتبط مفهوم التنمية بالتقدم الاقتصادي والاجتماعي وما يعنيه ذلك من تغيير في بنية الاقتصاد بتعدد قطاعات الإنتاج وتطور خدمات الصحة والتعليم وما شابه ذلك.

ونظرا لتباين مستوى التنمية بين الدول المتقدمة وتلك النامية، فقد انقسم الفكر المعاصر في تعريفها إلى تيارين رئيسين : أحدهما يمثل الفكر الاقتصادي الغربي الذي عرف التنمية بأنها: العملية الهادفة إلى خلق طاقة تؤدي إلى تزايد دائم في متوسط الدخل الحقيقي للفرد بشكل منتظم لفترة طويلة من الزمن.

أما التيار الآخر، فقد تمثل بدول العالم الثالث النامية، وعرف التنمية على أنها، العملية الهادفة إلى إحداث تحولات هيكلية اقتصادية ـ اجتماعية يتحقق بموجبها للأغلبية الساحقة من أفراد المجتمع، مستوى من الحياة الكريمة التي تقل في ظلها عد المساواة، وتزول بالتدريج مشكلات البطالة والفقر والجهل والمرض، ويتوفر للمواطن قد اكبر من فرص المشاركة، وحق المساهمة في توجيه مسار وطنه ومستقبله.

من قراءتنا لنهج هذين التيارين، نرى بأنهما متفقان على ضرورة وجود قاعدة إنتاجية سليمة، مادية، وبشرية، قادرة على رفع متوسط دخل الفرد مع تحقيق كفاءة عالية لأداء المجتمع تودي إلى تزايد منتظم في إنتاج السلع والخدمات بمعدل يفوق التزايد المتوقع في عدد السكان، على الرغم من اختلاف هذين التيارين حول أهمية التركيز على تقليص ظاهرة عدم المساواة وضرورة تحقيق توزيع أكثر عدالة لثمرات التنمية. وإذا نحن حذفنا تلك الظاهرة المرتبطة بالنهج الاقتصادي الغربي القائم على التنافس في إنتاج وتبادل السلع، فإن الفكر البشري يكاد يلتقي حول ماهية التنمية كدافع إلى البناء والتقدم لزيادة دخل الفرد ورفاهية المجتمع.

ومع تقدم  العلوم الإنسانية والتكنولوجية، فقد تزايد الاهتمام في عالمنا المعاصر بقضية التنمية التي أخذت معنى آخر أكثر شمولية لا تشكل المعدلات الإنتاجية العالية، ولا مجرد نقل إنجازات العالم المتقدم، السمة البارزة فيه. لقد ارتبطت بتحول فكري وتربوي ضخم يضم سائر الإمكانات البشرية العلمية والثقافية والتكنولوجية الموظفة في خدمة التنمية الشاملة الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وغيرها. لذا، فالتنمية بمفهومها الشامل، ليست عملية اقتصادية فحسب، وليست عملية اجتماعية فحسب، وليست عملية سياسية فحسب، وليست عملية ثقافية فحسب، ولكنها مزيج من هذه كلها وغيرها، تحتوي المتغيرات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية، وتتفاعل جميعها وتتداخل بعضها مع بعض في إطار شمولي، تهدف إلى تحقيق أهداف تتغير وفقا لما يحتاج إليه المجتمع. وما هو ممكن للتحقيق، وتعمل على تغيير المجتمع نحو الأفضل بجميع وجوهه وكامل تطلعاته .

وعلى هذا، تعتبر التنمية عملية واعية وموجهة، تقوم بها قطاعات شعبية واعية، خاصة وعامة، بهدف إيجاد تغيير شامل يسمو بالمجتمع إلى مصاف الأمم الراقية المتحضرة. لذا فهي أكثر من عملية نمو اقتصادي يعبر فحسب، عن وجود ” عملية تحولات في البناء الاقتصادي ـ الاجتماعي، قادرة على تنمية طاقة إنتاجية مدعمة ذاتيا، تؤدي إلى تحقيق زيادة منتظمة في متوسط الدخل الحقيقي للفرد على المدى المنظور.

ولقد أخذ مجتمعنا العربي بهذا المفهوم للتنمية، في محاولة منه لسد الفجوة الهائلة التي تفصله عن الأمم المتقدمة، وخلق ثقافة تربوية شاملة تتفهم عملية التنمية وتجسدها في مشاريع إنتاجية تتناسب وثرواته القومية الدفينة وتتجاوب مع تطلعات شعوبنا في تأمين ما تحتاج إليه حتى تتحقق حريتها الاقتصادية التي هي المقدمة الضرورية لحريتها الاجتماعية والسياسية. وعلى هذا، فقد جاء في تقرير استراتيجية تطور العلوم والتقانة في الوطن العربي، أن التنمية مشروع مجتمعي يقتضي بالضرورة إحداث تغييرات بنيوية في الهياكل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية، تهدف إلى الارتقاء بالمجتمع إلى مستوى حضارة العصر، إنتاجا وإبداعا واستمتاعا، وإلى المشاركة الفعالة في صنع هذه الحضارة.

وهكذا، يمكن القول بأن التنمية مشروع إحياء حضاري ضخم وشامل، مستند إلى القبول الإرادي لأفراد المجتمع، وينبع من إيمانهم بجدوى هذه العملية وأهميتها في تحقيق مصالحهم الحيوية ومتطلباتهم الحياتية، وفي تمكين المجتمع من التجدد ذاتيا عن طريق تحرير العقل من الأفكار المناهضة للتغيير والتجديد والتي تقف حائلا دون بلوغه مرحلة الإبداع التي يتمكن بها من إنجاز تقنياته المادية الضرورية لتحقيق مشروعه الحضاري المنشود بدلا من الاستعانة بالغير والارتهان له.

انطلاقا من ذلك، يصبح للتنمية أساسان : فكري وآخر مادي، وهما في تفاعل متبادل ودائم يؤدي إلى نضج ثمرة التنمية. فمناهج العلم وفرضياته، تخلق الفرص المواتية للإبداع التكنولوجي، بحيث يمكن القول بأن التطور المادي لابد من أن يكون مسبوقا بتطور فكري ملازم له. كما أن الاستمرار في التقدم التكنولوجي من شأنه أن يشحذ الذهن على البحث العلمي المتواصل لاكتشاف المزيد من التقنيات.

ثانيا ـ مفهوم التنمية المستدامة :

بدأ هذا المفهوم يظهر في الأدبيات التنموية الدولية في أواسط الثمانينيات تحت تأثير الاهتمامات الجديدة بالحفاظ على البيئة ونتيجة للاهتمامات التي أثارتها دراسات وتقارير نادي روما الشهيرة في السبعينيات حول ضرورة الحفاظ على الموارد الطبيعية القابلة للنضوب، وعلى البيئة والتوازنات الجوهرية في الأنظمة البيئية (Ecosystems). وقد انتشر استعمال المفهوم بسبب تكاثر الأحداث المسيئة للبيئة وارتفاع درجة التلوث عالميا. وانتشر أيضا في الأدبيات الاقتصادية الخاصة بالعالم الثالث نظرا لتعثر الكثير من السياسات التنموي المعمول بها، التي أدت إلى تفاقم المديونية الخارجية وتردي الإنتاجية، وخاصة في القطاع الصناعي، وكذلك إلى توسع الفروقات الاجتماعية في عدد كبير من الدول، بل إلى المجاعة أو قلة التغذية في بعض الأحيان لدى الفئات الفقيرة التي ساءت أحوالها في الثمانينيات بالرغم من كل الاستثمارات التي نفذت في العقدين السابقين.

وقد استقر الرأي تدريجيا على أن السياسات التنموية، لكي تؤدي إلى إنماء قابل للاستمرار يجب ألا تحترم مقومات البيئة التي يعيش فيها الإنسان وحسب، بل عليها أيضا أن تراعي قدرة كل الفئات الاجتماعية على تحمل التغيير والاستفادة منه على قدم المساواة. ولهذه الأسباب امتد نطاق المفهوم إلى القضايا الإنسانية والبشرية وأصبحت النظريات التنموية تركز أكثر على هدف التنمية، أي الإنسان،وأحواله الصحية والثقافية والسياسية،وذلك على خلاف الفترات السابقة التي كان التركيز ينصب خلالها على وسائل التنمية المادية، أي على زيادة معدلات الاستثمار ومعدلات النمو الاقتصادي العام السنوية، وزيادة مستويات الاستهلاك من منتجات الصناعة الحديثة.

ويصعب إيجاد كلمة واحدة في اللغة العربية تعكس بدقة محتوى التعبير الإنكليزي، الذي له اكثر من معنى. فكلمة (Sustainable) تعني القابل للاستمرارية أو الديمومة، كما تعني القابل للتحمل، وبالتالي القابل للاستمرار. وتقارير برنامج الأمم المتحدة للتنمية المتعلقة بالتنمية البشرية تستعمل، في ترجمتها إلى اللغة العربية، تعبير ” التنمية المستدامة “. ويمكن أيضا، في اللغة العربية، أن نلجأ إلى كلمة ” الدعم ” للتعبير عن معاني المفهوم. فالتنمية المستدامة هي التي تجد في ذاتها ما يدعم استمرارها فتكون بالتالي تنمية متداعمة ” . وهي لا يمكن أن تكون كذلك إذا لم تكن متحملة ومقبولة من فئات المجتمع المختلفة. والمعنى الأول لفعل (Sustain) باللغة الإنكليزية هو ” دعم ” أو ” أيد “، بالإضافة إلى معنى ” استمر “. ومن هذا المنظور، هناك تشابه مع مفهوم  التنمية بالاعتماد على النفس أو التنمية المركزة ذاتيا، وهي تعابير استعملت كثيرا في الأدبيات الاقتصادية العربية، غير أن محتوى تعبير” المتداعم ” هو أوسع أفقا إذ يشتمل على معان أشمل تتناول الأوجه البشرية والبيئية والسياسية للتنمية الاقتصادية، بينما يوحي مفهوم الاعتماد على النفس، ولو بشكل غير صحيح، بسياسات الانغلاق على الذات وعدم الاندماج في الاقتصاد العالمي (Global Economy) الذي يتميز به العالم في نهاية هذا القرن.

والجدير بالذكر أيضا، أن ” الديمومة ” أو الاستمرارية المعنية في مفهوم التنمية هذا، تشير إلى الامتداد والروابط بين الأجيال، أي أنها تعني أن الجيل الحالي يجب أن يترك للأجيال القادمة مخزونا كافيا من الموارد الطبيعية ونظاما بيئيا غير مدمر وغير مصاب بالتلوث، وكذلك مستوى كافيا من الملكة في العلوم والتكنولوجيا، بحيث تتمكن هذه الأجيال من الاستمرار في التنمية والاستفادة من فوائدها المختلفة.

وفي هذه المقالة، سنستعمل عبارة التنمية المستدامة التي أصبحت دارجة في الأدبيات التنموية الجديدة، مع أن عبارة ” القابلة للديمومة أو الاستمرارية ” تشير بشكل افضل إلى المعنى المقصود.

أي أن آليات التنمية يجب أن تهدف، كما سنرى، إلى بروز مزيد من الدعم والارتياح لدى أوسع الفئات الاجتماعية، مما يؤمن للتنمية صفة الاستمرارية ويحول دول تعرضها للنكسات أو حركات الرفض من قبل بعض الفئات المتضررة من نمط تنموي لا يؤمن للجميع الحد الأدنى من الشعور بالتقدم ” الموزون “، أي  الذي يتيح للجميع أن يشعروا بأن التنمية تفيدهم، لا بأنه تخرب مقومات حياتهم وتسبب لهم المتاعب أو التعاسة المادية أو الثقافية والروحية والفكرية.

ولذلك يشمل المفهوم، كما سيتبين فيما بعد، فكرة الحوار الدائم، الديمقراطي الطابع بين صانعي القرار من جهة، والفئات المختلفة في المجتمع المدني، من جهة أخرى، وذلك ضمن إطار مؤسس واضح يؤمن أساليب التعبير عما تراه تلك الفئات من مشاكل ومتاعب في حياتها وفي ممارسة عمل منتج ذي مردود لائق. وهذه هي الناحية السياسية في مفهوم التنمية المستدامة. وتتجسد هذه الناحية في مفهوم جديد يكثر استعماله ويسمى باللغة الإنجليزية (Governance)، أو ” الحاكمية “، أي جدية أسلوب الحكم في المجتمع على أساس الحوار بين الحاكم والمحكوم وشفافية تصرفات الحكم ووضع قواعد واضحة لمسؤولية أهل الحكم (Accountability)، أي  ” المساءلة “.

وقد اعتاد الناس، خاصة في الدول النامية، أن ينظروا إلى هذا الأمر وناقشوه فيما يخص أسلوب الحكم السياسي والقرارات السياسية والدبلوماسية فقط، غير متمعنين إلا بشكل هامشي في القرارات الاقتصادية الكلية والأنماط أو النماذج المتبعة. كما انهم اعتادوا عدم النظر بالتفصيل إلى التصرفات الاقتصادية لمؤسسات القطاع العام أو القطاع الخاص. والتنمية القابلة للديمومة هي التي تستند إلى الحد الأدنى من القناعات في المجتمع المدني وتبادل الرأي وتوفر المعلومات والمعطيات الدقيقة لإجراء الحوار واتخاذ القرارات التنموية المناسبة.

ثالثا – مفهوم التنمية البشرية المستدامة :

نشأت نظرية التنمية البشرية المستدامة نتيجة للتوليف بين منهجين للتنمية. أولهما هو استراتيجية التنمية البشرية التي طرحت في تقرير التنمية البشرية لبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، وثانيهما منهج التنمية المستدامة الذي وضعه أخصائيون بيئيون واعتمده مؤتمر الأمم المتحدة المعني بالبيئة والتنمية في ريو دي جانيرو عام 1992.

ويكمن جوهر هذا التوليف في الوصف التالي الذي ورد في تقرير برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بعنوان ” مبادرات من أجل التغيير ” : إن التنمية البشرية المستدامة لا تحقق نموا اقتصاديا فحسب، وإنما تقوم أيضا بتوزيع فوائده توزيعا عادلا. وهي أيضا نمط للتنمية يقوم بالمحافظة على البيئة، لا بتدميرها، ويمكن البشر بدلا من تهميشهم. وهي في الأساس نمط للتنمية يعطي الأولوية للفقراء، ويوسع الفرص والخيارات المتاحة لهم، ويوفر لهم إمكانية المشاركة في اتخاذ القرارات ذات العلاقة بمعيشتهم. وعليه، فإن التنمية البشرية المستدامة هي منهج للتنمية يدافع عن الفقراء وعن الطبيعة وفرص العمل والمرأة والطفل.

ويشترك هذا المنهج في دفاعه عن الفقراء مع منهج التنمية المسمى ” منهج الاحتياجات الأساسية ” الذي قامت منظمة العمل الدولية وغيرها من منظمات الأمم المتحدة بترويجه في السبعينيات. غير أنه يختلف عنه في الكيفية التي يعالج بها قضايا الفقراء. فبينما يقتصر منهج الاحتياجات الأساسية على ضرورة الوصول إلى الفقراء كفئة مستهدفة بغرض إمدادهم بضروريات الحياة، يقوم منهج التنمية البشرية المستدامة بالتركيز على دور البشر باعتبارهم كائنات فاعلة، لا كفئة مستهدفة بتدخلات ذات طبيعة خيرة. وعلى هذا الأساس، يمكن القول أن منهج التنمية البشرية المستدامة لا بد أن يبدأ بالاعتراف بأن أهم موارد البلدان هي معارف سكانها ومهاراتهم وخبراتهم وثقافاتهم وطاقاتهم وإبداعهم.

وعلى نقيض النموذج التقليدي للتنمية، يؤكد منهج التنمية البشرية المستدامة على دور البشر ضمن السياق الاجتماعي الذي يعيشون فيه. لذا، فإن تعزيز التنمية البشرية المستدامة يتم من خلال مجتمعات مدنية قوية تسودها أنماط تعامل تقوم على الثقة والتعاون. وإن أية استراتيجية متسقة للتنمية البشرية المستدامة لا يمكن أن تعيق النمو الاقتصادي، بل على العكس، فإن التركيز على البشر وعلى المجتمعات البشرية يعتبر حافزا للنمو الاقتصادي. كما لا يمكن التقليل من أهمية سياسات الاقتصاد الكلي، إلا أنه ينبغي أن تكون هذه السياسات مصممة بوضوح لدعم أهداف الاستدامة والتنمية البشرية.

كذلك تجدر الإشارة إلى أن منهج التنمية البشرية المستدامة لا يقلل من أهمية الدور الذي يؤديه التقدم التكنولوجي وتكوين رأس المال المادي في التنمية الاقتصادية، لكنه يؤكد على أنهما، في نهاية الأمر، مجرد وسائل تقتصر أهميتها على خدمة الإنسان. ومن هنا فإن أنماط التنمية التي تعطي الأولوية للآلة على حساب الإنسان وتسمح بتفكك النسيج الاجتماعي باسم النمو والتحديث، لا يمكن أن تحقق تنمية مستدامة في المجتمعات التي تطبق فيها.

كما شهدت التسعينيات توسعا في محاولات فهم الجوانب النوعية لعلاقة التفاعل بين الدول ومؤسسات المجتمع المدني والسوق، وبدا اقتصاديو التنمية يراعون دور المؤسسات والمجتمع المدني في تحقيق التنمية.

وقد أثبت الفكر الاقتصادي أن تشكيل المؤسسات المجتمعية وتطويرها التدريجي ثم إنضاجها، هي المفاتيح الرئيسة للتنمية، وأن هذه المتغيرات تتمتع بأهمية نسبية أعلى من الاستثمار في رأس المال الثابت. ووفقا لهذه المدرسة في الفكر التنموي يعتبر تكوين رأس المال الثابت ناتجا من نواتج التنمية وليس المحرك الأساسي لها.

وفي الفترة ذاتها، أصبح نشاط مجموعة كبيرة من المنظمات غير الحكومية التي تمثل الشرائح الاجتماعية ذات الدخل المنخفض، يشكل رافدا هاما للفكر التنموي. وأدى ذلك إلى ظهور مفاهيم جديدة أخرى مثل ” الاستدامة ” و” التمكين ” وغيرها. واكتسبت هذه المصطلحات شرعية مفاهيمية ضمن هذا الفكر.

وعلى الرغم من توافق الآراء على أن مهارات البشر هي مفتاح التنمية الاقتصادية والاجتماعية، إلا انه يجدر بنا أن نؤكد هنا أن منهج التنمية البشرية المستدامة يختلف عن منهج رأس المال البشري. ففي حين يتعامل المنهج الأول مع البشر كغاية للتنمية يتعامل الثاني مع التنمية البشرية على أساس كون الاستثمار في البشر عملية مفيدة تؤدي إلى النمو الاقتصادي. ومع أن هذين الاتجاهين قد لا يتناقضان فيما يتعلق بالسياسات التي يوصيان بها، إلا أن كلا منهما يعكس موقفا نظريا مختلفا في تفسير التنمية. ومن ناحية أخرى، يتميز منهج التنمية البشرية المستدامة بتركيزه على ما هو إجماعي أساسا وغير فردي في قدرات الناس، ففي حين يعترف بأن تطوير معارف الأفراد ومهاراتهم ضروري للتنمية، إلا أنه يعتبره غير كاف لتحقيق تنمية مستدامة، بل يؤكد على أن أنماط التفاعل بين الناس هي التي تخلق الفرق بين رأس المال الاجتماعي ورأس المال البشري. وإضافة إلى ذلك، فإن منهج التنمية المستدامة يتضمن مفهوم الاستدامة الذي يتعلق بتنمية مجتمع بأكمله، ومن هنا فإن الاستدامة لابد أن تعامل كهدف مجتمعي.

ورأس المال الاجتماعي ذو طبيعة أكثر إنصافا من الأنواع الأخرى من رأس المال. فرأس  المال الإنتاجي ورأس المال المالي يمتلكهما عادة أفراد أو الدولة. وهما يستلزمان تواجد علاقة عمودية بين المالك ومن يعملون معه. أما تراكم رأس المال الاجتماعي، فإنه يتوزع على الجميع. بل إنه قد يفيد الضعفاء أكثر مما يفيد ذوي السلطة والنفوذ.

وعلى ضوء الفرو قات السابقة، فإنه يمكن تقسيم رأس المال إلى الفئات التالية :

رأس المال الطبيعي، ويتكون من الأرض والمياه وموارد الطاقة والمعادن.

رأس المال المالي، وهو يسخر للاستهلاك والاستثمار.

رأس المال الإنتاجي الذي يتألف من المعدات والآلات وما إلى ذلك.

رأس المال الذي تتشكل منه البنية الأساسية.

رأس المال البشري الذي يتألف من معارف وخبرات ومهارات عموم السكان.

رأس المال الاجتماعي الذي يتألف من الأعراف والمؤسسات والشبكات والمنظمات والتقاليد وأنماط التصرف المجتمعي.

وإن تراكم رأس المال الاجتماعي هو المفتاح لنمط من التنمية أكثر إنسانية واستدامة، بل إن الثروة الممثلة برأس مال اجتماعي يمكن أن تعتبر غاية بذاتها. كما أن العيش في المجتمعات التي تتسم برأسمال اجتماعي متطور تكون أفضل بكثير من العيش في المجتمعات التي يكون فيها رأس المال الاجتماعي ضعيفا. كذلك يخلق وجود رأس المال الاجتماعي المتطور بيئة صالحة للنمو الاقتصادي.

وإن كل مرحلة من مراحل التنمية تحتاج إلى ” تركيبة ” معينة من مختلف أنواع رأس المال وهذا ما يجعل قضية الانتقال من مرحلة إلى أخرى غاية في الأهمية. فماليزيا مثلا، استطاعت أن تنتقل من التنمية المعتمدة على تصدير المواد الأولية إلى التنمية المستدامة المعتمدة على مهارات سكانها. وقد كان مفتاح نجاح الدولة في تحقيق هذا الانتقال هو السياسات التي اتبعت في تحويل الدخل المتحقق من تصدير رأسمالها الطبيعي (موارد طبيعية) إلى استثمار في أنواع أخرى من رأس المال، كالاستثمار في البنية الأساسية والتعليم والبناء المؤسسي.

ولعل التحليل المتعمق للأنواع المختلفة من رأس المال التي تحتاجها كل مرحلة من مراحل التنمية يؤدي إلى رصد السياسات والأسباب التي قادت إلى فشل الكثير من حكومات البلاد النامية أو مؤسسات التمويل الأجنبية في تحقيق تنمية مستدامة. ويبدو من المؤكد الآن أن الإكثار من نوع واحد من رأس المال على حساب أنواع أخرى قد يؤدي إلى نتائج ضارة. فلقد أدى الاستثمار الكثيف في المعدات والآلات، في مرحلة استبدال الواردات، إلى أنماط من التنمية لم يمكن إدامتها. كذلك اظهر عقد السبعينيات الذي اتسم بارتفاع أسعار السلع واستعداد البنوك للإقراض وارتفاع مستويات المعونة الأجنبية أن توفر رأس المال المالي قد أدى إلى إعاقة تراكم رأس المال الاجتماعي والمؤسسي، وبروز ظواهر الفساد والرشوة، وهروب رؤوس الأموال من البلدان النامية. وما إن انتهى العقد حتى برزت أزمة الديون العامة الخانقة في البلدان النامية.

وإن التنمية المستدامة لا تحتاج إلى رأس المال  المادي فقط، وإنما تحتاج أيضا إلى الأنواع الأخرى من رأس المال التي تخلق وتحفز، وتحافظ على البيئة المطلوبة للتنمية. وقد أثبت التاريخ التنموي، بشكل لا يقبل الشك، أن توفر رأس المال  المادي وحده دونما توفر بقية الأصناف من رأس المال، لا يؤدي إلى الاستدامة. فسيادة تقاليد وقيم المنافسة الاقتصادية مثلا يمكن أن تؤدي إلى تقادم رأس المال المادي ـ الممثل في الآلات والمعدات التي تشكل جزءا هاما من رأس المال المادي للمجتمع ـ في وقت قصير جدا. كما أن عدم توفر القوى البشرية التي تقوم بالصيانة يؤدي إلى تدهور مكونات البنية الأساسية مهما كانت متطورة. وإضافة إلى ذلك، فإن رأس المال الطبيعي الذي تملكه الدول يمكن أن ينضب بسرعة كبيرة في حالة التركيز عليه بمفرده، كما قد ينجم عن ذك تدهور شديد للبيئة مثلا.

ومن ناحية أخرى، أثبتت التجارب التنموية لأقطار عديدة في العالم أن الاستثمار في رأس المال الاجتماعي يؤدي إلى أنماط تنمية أكثر استدامة وتوازنا بالرغم من أنها قد لا تتسم بالسرعة     أو الإنتاجية العالية. فتقاليد التعاون مثلا أسهل وأرخص من تقاليد التنافس، بمعنى أن التعاون يخلق جوا أكثر ملاءمة للنمو، كما يؤدي إلى هدر للموارد أقل مما تؤدي إليه المنافسة، سواء كانت على الموارد أو كانت على العميل النهائي. والمجتمع الغني برأسماله الاجتماعي، لديه ما يكفي من المقومات لحل مشاكله دون اللجوء إلى العنف، أو السلطة السياسية أو السياسات الاقتصادية الجديدة. وباختصار إن تراكم رأس المال الاجتماعي يتيح توظيفا أكثر كفاءة للأنواع الأخرى من رأس المال المتوفرة في المجتمع.

وتشير إحدى الدراسات التي قام بها روبرت بوتمان (Putman) عن المجتمع المدني في الجزءين الشمالي والجنوبي من إيطاليا إلى وجود علاقة إيجابية بين كل من رأس  المال الاجتماعي، وحسن الإدارة، والنمو الاقتصادي. وعلى الرغم من تشابك العلاقة بين هذه المتغيرات الثلاث، إلا أن الدراسة أثبتت بشكل مقنع أن التوفر الأكبر لرأس المال الاجتماعي في شمال إيطاليا قد أدى إلى درجات أعلى من النمو الاقتصادي فيها مقارنة بجنوب إيطاليا. ويقول بوتمان ” إن التقاليد المدنية السائدة في شمال إيطاليا، تفسر إلى حد كبير القدرة الأكبر لشمال إيطاليا على مجابهة تحديات وفرص القرنين التاسع عشر والعشرين “. وهذا يؤدي إلى استنتاج أن التراكم المستمر لرأس المال الاجتماعي في شمال إيطاليا هو أحد الأسباب الرئيسية وراء تطورها الاقتصادي والتنموي الذي فاق ما تحقق في جنوب إيطاليا.

وبينما تؤدي تحليلات النظرية الاقتصادية الكلاسيكية الحدية إلى التركيز على التنافس باعتباره المحرك الرئيس للتنمية، يؤدي تحليل رأس المال الاجتماعي إلى التركيز على التعاون باعتباره عاملا مساعدا في التنمية. وعلينا أن نؤكد هنا أن الفرق بين هذين المنهجين هو فرق درجة التركيز إذ أن لكل من التنافس والتعاون أدوارا هامة في التنمية.

وإن الحكم على نجاح المؤسسات لا بد أن يتم ضمن الإطار المجتمعي الذي تعمل فيه تلك المؤسسات، أي ينبغي تقييم أداء المؤسسة ضمن البلد الذي تعمل فيه. ونجاح مؤسسة ما في قطر ما لا يعني بالضرورة أنها ستنجح في أقطار أخرى. ولقد بينت التجارب التنموية أنه كلما كانت الجهود الرامية إلى استبدال التقاليد القديمة بمؤسسات حديثة تقترن بغطرسة وجهل ثقافي، أدى ذلك إلى خلق مشاكل معقدة ولم تنجح تلك الجهود في حل المشاكل التي كانت قائمة قبل نقل تلك المؤسسات.

إن الاعتراف بالدور الأساسي الذي تلعبه المؤسسات في التنمية الاقتصادية والاجتماعية قد أدى إلى فهم أوسع وأعمق للتعقيد الذي تنطوي عليه عملية التنمية. ولقد حفز هذا الأمر مؤسسات التمويل الأجنبية والجهات المانحة إلى فرض شروط جديدة على البلدان الفقيرة أضيفت إلى القائمة الطويلة من الشروط السابقة. ومعظم هذه الشروط الجديدة ذات طبيعة سياسة ومؤسسية، غالبا ما تتلخص في شعار جامد هو : ينبغي على الدول  النامية التخلي عن التقاليد والقيم القديمة ـ خاصة تلك التي تتسم بطبيعة جماعية ـ لأنها تمثل عائقا للنمو.

ومن خلال ما تقدم يتضح إن التنمية البشرية المستدامة، تجمع بين محورين من محاور التنمية. فهي أكبر من مجرد حاصل جمع التنمية البشرية والتنمية المستدامة، بكونها تضيف إلى عناصر التنمية ضرورة الاهتمام برأس المال الاجتماعي، فتوسيع قدرات الناس لا معنى له إلا إذا ارتبط بزيادة استعداد الناس للالتزام  الواعي بالتنازل عن بعض طموحاتهم من أجل الأجيال الحالية أو المقبلة. وفي ضوء التحديات العالمية الراهنة، لابد من تشجيع الناس على الاستثمار في علاقات تعاونية مع بعضهم بعضا، وعلى تبني آليات جديدة للضبط الاجتماعي تكون نابعة من مبادراتهم الخاصة، لا من مصادر رسمية بعيدة عنهم.

وبناء عليه يمكن تعريف التنمية البشرية المستدامة بأنها توسيع خيارات الناس وقدراتهم من خلال تكوين رأسمال  اجتماعي لتلبية حاجات الأجيال الحالية بعدل طريقة ممكنة دون الإضرار بحاجات الأجيال اللاحقة. هذا التعريف يدرك بأن التنمية تبدأ بالناس ؛ وأنت التنمية لا تحدث إلا عندما يكون الناس مسؤولين عن توفير شروطها ؛ وأن التنمية هي نتاج أشكال من العمل الجماعي تسوده الإرادة الطوعية، لا القسر والإرغام وأن الاهتمامات القطاعية مترابطة ويجب النظر إليها في سياق الخطط الاستراتيجية البعيدة المدى ؛ وأن التنمية لا تكون قابلة للاستدامة إلا إذا تم اعتماد منظور يلحظ العلاقة بين الأجيال المتلاحقة.

 فالتنمية البشرية المستدامة تقدم الأساس لاستعادة الثقافة بالتفاعل ما بين ما هو اجتماعي وسياسي. وتتطلب استعادة الثقة هذه، اعتبار العلاقات بين الأفراد والفئات الاجتماعية جانبا هام من النسيج الاجتماعي والبيئي. والحق أن ما يتمتع به النظام الاجتماعي من اتساع وتنوع هو الذي يربط بين المجتمعات ويكسبها طابعها الإنساني.

إن التحديات التي تواجه البشرية تتطلب تغييرات كبيرة في كل من النظم الاجتماعية والأداء المؤسسي ولا يمكن تحقيق هذه التغييرات بالتخطيط وحده. فهي تتطلب أيضا الملاحظة الدقيقة لهذه التغييرات وإعداد منهجيات تجريبية لرصدها. فالتجارب الاجتماعية تقدم مؤشرات هامة عن الطريقة التي يتحرك بها المجتمع نحو التنمية البشرية المستدامة. ولكي تصبح المشاريع فاعلة كخيارات تنموية، فإنها يجب أن تراعي مجموعة من العوامل:

أولا : أن تنبع الأفكار والابتكارات من البيئة المحلية، وأن يكون الناس، الذين تهمهم هذه المشاريع، مشاركين فيها أثناء إعدادها. ومن خلال مثل هذا الامتلاك لزمام الأمور، فقط يمكن ترجمة دروس التعلم الاجتماعي إلى أشكال جديدة من رأس المال الاجتماعي.

ثانيا : يجب أن تكون المشاريع مفتوحة للمشاركة لكي تقدم فرصا تعليمية متكافئة للمشتركين فيها.

ثالثا : تحتاج المشاريع إلى أن تصاغ بطرق ملهمة وحافزة على العمل.

رابعا : تحتاج إلى أفق زمني واسع كي يسمح بالتعلم المتراكم والمتكرر.

أخيرا : يجب أن تسهم في التطور المؤسسي الذي يمكن تعريفه عامة بأنه تشكيل أنماط سلوك وعادات جديدة. فالمشاريع المصممة لتحيق أهداف إدارية بالدرجة الأولى لا يحتمل أن تسهم في التنمية البشرية المستدامة.

ومن أجل ترجمة الرؤية المتطورة للتنمية البشرية المستدامة إلى حقيقة واقعة يجب على منظمات العمل العربي المشترك ومؤسسات المجتمع المدني أن تعتبر نفسها:

حافزا على التغيير الاجتماعي ومنادية به.

وكالات تقوم بحشد وتعبئة ذوي المصلحة في التنمية البشرية المستدامة.

مؤيدة للشركاء المحتملين في العملية.

أجهزة تقوم بالنقد الذاتي والتقويم الذاتي.

مشجعة للمؤسسات التي تحسن عمليات مساءلة شركاء في العمل التنموي.

إن التأكيد على المبادرات المحلية والتعلم الاجتماعي يقلل من الحاجة إلى التدخل المباشر في المشاريع والبرامج، ويفسح المجال لحشد التأييد، وإقامة الشبكات المترابطة وبناء القدرات. وينبغي أن يتم ذلك على كل المستويات : القومية، والوطنية، والمحلية. ومن الطرق الأساسية للقيام بذلك جيدا، خلق بيئة مؤسسية تسهل التعلم والمشاركة في الخبرة واستخلاص الدروس بين الشركاء المهتمين بذلك.

رابعا ـ العلاقة بين مفهومي التنمية المستدامة والتنمية البشرية المستدامة :

ليست التنمية البشرية مفهوما جديدا. فقبل بضعة عقود كانت تستعمل للإشارة بشكل أضيق إلى الاستثمار في المهارات البشرية. وكان ينظر إليها على أنها مكمل ضروري للاستثمار في رأس المال المادي. وفي أوساط المختصين الإداريين كانت التنمية البشرية تميل إلى التساوي مع تطوير الموارد البشرية. ولم تكتسب التنمية  البشرية معنى أعمق إلا في السنوات الأخيرة من خلال الإدراك بأن التنمية قابلة للإدامة فقط عندما يكون البشر قادرين بصورة متزايدة على التحكم بمصائرهم. ذلك أن جوهر التنمية البشرية هو جعل التنمية في خدمة الناس بدلا من وضع الناس في خدمة التنمية. ومن هذا المنظور فإن التنمية البشرية تعني ضمنا تخويل البشر سلطة انتقاء خياراتها بأنفسهم، سواء فيما يتصل بموارد الكسب، أم الأمن الشخصي أم الوضع الاجتماعي والسياسي. كما أنها تؤكد على وثوق الصلة بالقيم المحلية والمعرفة كأدلة مرشدة وأدوات لاعتماد هذه الخيارات. ولا يمكن أن يتحقق ذلك إلا إذا كانت القيادة السياسية الوطنية مستعدة لتقديم بيئة تنتعش ضمنها الخيارات والمبادرات المحلية. وهذا يعني أيضا خلق بيئة تتيح ذلك من خلال الإصلاحات الهيكلية، وإعادة تخصيص الأموال، ولا مركزية السلطة وتخويل الصلاحية للجماعات المحرومة والمهمشة عن طريق حركات اجتماعية. وأخيرا فإن التنمية البشرية، ينبغي أن تشمل استخدام منظور شامل للتنمية يجعل العمل متكاملا ومندمجا بين الاختصاصات والقطاعات المختلفة.

أما التنمية المستدامة فهي مفهوم شائع تم تداوله في السابق كثيرا وقد انبثق من قلق المختصين بالبيئة بسبب تدهور الموارد الريفية الذي تسببه التنمية التقليدية. ثم صار اهتماما يثيره برنامج الأمم المتحدة الإنمائي بصورة منهجية منتظمة عقب قمة الأرض في ريو دي جانيرو واعتماد جدول أعمال القرن الحادي والعشرين في عام 1992، مما أعطى برنامج الأمم المتحدة الإنمائي دورا اكبر ـ ضمن منظومة الأمم المتحدة ـ فيما يتعلق بقضايا البيئة وإدارة الموارد الطبيعية. وكان التحدي الأساسي هو كيفية دمج التنمية المستدامة بالتنمية البشرية، كي يصبح للمفهومين معا معنى معقول. وجدول أعمال القرن 21 يجعل هذه المهمة اسهل من خلال تركيزه على الاستخدام المستديم للموارد الطبيعية والتنمية البشرية.

ثم جاءت التنمية البشرية المستدامة. التي من النظرة الأولى كأنها أفضل تسوية غير أن التدقيق فيها يستدعي السؤال عن الفرق بينها وبين التنمية المستدامة أو التنمية البشرية. ذلك أن التنمية البشرية المستدامة يجب أن تكون شيئا مختلفا، وأن تعني اكثر من مجرد التنمية المستدامة مضافا إليها التنمية البشرية. بل وينبغي أيضا أن تكتسب معناها الخاص وأبعادها التطبيعية كي تلهم المحللين والممارسين، والسياسيين والجمهور على حد سواء.

لقد كان من اخطر عواقب الأزمة الثلاثية للدولة والسوق والعلم، والمرتبطة بنموذج التنمية التقليدية، تبدد الثقة في أهمية التفاعل الاجتماعي والسياسي. وأصبح الناس يتشككون بالسلطة، وغالبا ما يكنون موقفا مماثلا تجاه المنظمات التنموية الخارجية. وقد ترك هذا أثره فيما يتعلق بضعف تأثير هذه المنظمات، مما جعل الناس يفضلون التفاعل في مجالات يشعرون أنهم ليسوا غرباء فيها وأنهم يعرفون الآخرين المتعاملين معهم. وهذه الأزمة ناجمة في معظمها عن كون التفكير الإنمائي التقليدي قد أخضع كل من رأس المال الطبيعي، والبشري والمؤسسي لرأس المال المادي. ونظرا لأن النمو في هذا الفكر مرتبط تماما بخلق رأسمال مادي فقط، فقد تم تجاهل اعتبارات الاستدامة.

 ونحن نرى في مفهوم التنمية البشرية المستدامة فرصة لتصحيح الأخطاء الباهظة الكلفة الناجمة عن هذا النهج عن طريق ربطه بتكوين رأسمال اجتماعي. ورم أن فكرة مثل هذا الرأسمال ليست جديدة، فإنها لم تكتسب تداولا أوسع إلا في الآونة الأخيرة.

ورأس  المال الاجتماعي ملازم لهيكل العلاقات ما بين عوامل التنمية. وعلى عكس رأس المال المادي الملموس ورأس المال البشري الذي يتجسد في معرفة الفرد ومهاراته، فإن رأس المال الاجتماعي يوجد في العلاقات بين الأشخاص، ويمكن تعريفه بكل بساطة على أنه الأشكال الطوعية من التنظيم الاجتماعي. ولإعطاء مثل توضيحي لرأس المال الاجتماعي، يمكننا النظر إلى هدف تمكين الناس من الانتقال بصورة أسرع، وهذا يجعل من الضروري الاستثمار في ” رأس المال المادي ” (كالطرق، والجسور، وأكشاك الجباية، والسيارات).

ورأس المال البشري (مثل مهارات السياقة، والمهارات الآلية) و رأس المال الاجتماعي (مثل القوانين، واللوائح والتعليمات، واحترام هذه القوانين والاستعداد لإطاعتها، ومؤسسات الرقابة، والسلوك المؤدب على الطرقات، ومبادئ صيانة السيارات). فالتوسع في تقديم الشكلين الأولين من رأس المال قد ينتج تحسنا مبدئيا، ولكنه يؤدي أيضا إلى زيادة الحوادث، والتلوث، والتدمير للمناطق الخضراء، ومآزق الاختناقات المرورية غير الضرورية، والعنف المتصل بحوادث المرور. وإذا تجاوز الأمر نقطة معينة، فإن العواقب الضارة ترجح بكفة الفوائد المباشرة. وهكذا فبدون رأسمال اجتماعي، لا يمكن المحافظة على الأشكال الأخرى من رأس المال أو استخدامها بصورة صحيحة وملائمة.

فالمفهوم مفيد في كونه يحدد وظيفة للهيكل الاجتماعي وذلك يساعد شركاء التنمية في تفسير وتحليل نتائجها. ورأس المال الاجتماعي يعتمد على المبدأ القائل بأن على المرء أن يتجاوز المصلحة الشخصية ويتصرف بموجب مصلحة المجتمع أو الجماعة التي ينتمي إليها. وهذا المبدأ، مدعوما بالتأييد الاجتماعي، والمكانة والشرف وغيرها من المكاسب، يولد رأس مال اجتماعيا يغذي الجهود البشرية ويقويها. كما أن الالتزام بقضية ترتبط ارتباطا نموذجيا بهذا النوع من رأس المال يعزز استعداد الناس للمواظبة على بذل جهودهم ويقلل ما يسميه الاقتصاديون تكاليف العمليات.

فمفهوم رأس المال الاجتماعي يفند فرضية أن جميع الأفراد يتصرفون بطريقة نفعية لزيادة مصلحتهم الشخصية إلى الحد الأقصى. غير أنه على أية حال لا يمنع الافتراض بأن الأفراد يحسبون حسابا للكمية التي ينبغي أن يستثمروها في رأس المال الإجماعي من وقتهم وطاقتهم. وعلى سبيل المثال، فإن تحقيقا عمليا في رأس المال الاجتماعي يؤدي إلى اكتشاف درجة الثقة التي يظهرها الأشخاص في مؤسسات قد تصنف وفق سلسلة تتراوح من ” القريبة ” إلى  ” البعيدة “. ومن الطرق الأخرى للقيام بذلك استطلاع القضايا الاجتماعية التي يظهر المستجيبون استعداد للتضحية في سبيلها. ومن الطرق الأخرى كذلك استكشاف الناس الذين يبدي المستجيبون استعدادا لاقتسام المعلومات السرية أو المحصورة التداول.

فرأس المال الاجتماعي هو المفتاح النموذجي لشكل من أشكال التنمية البشرية الأكثر قابلية للاستدامة. فهو لا يقتصر على وضع الإنسان في مركز التنمية، بل يركز أيضا وقبل كل شيء على العلاقات بين البشر. لأنهم يشكلون الأساس الذي تبنى عليه المجتمعات الأخلاقية. ويسعى رأس المال الإنساني إلى تحسين قدرة الفرد على اتخاذ القرارات ؛ ويسعى رأس المال الاجتماعي إلى تحسين قدرة الشعب كله على اتخاذ القرارات. ومن الطبيعي ألا ينفي كل منهما الآخر، ذلك أن الشخص الأكثر مهارة يغني مجتمعه، كما أن المجتمعات الأكثر انسجاما تجعل المهارات الفردية ذات قيمة وفاعلية. ومع ذلك، فلا يمكن لأي منهما أن يستبدل بالآخر. فرأس المال الاجتماعي يتعدى بناء القدرة البشرية الفردية فهو يدرك بأن توسيع اختيارات الناس وقدراتهم لا يكون له قيمة إلا في سياق أشكال العمل الجماعي الطوعي. كما أنه يختلف عن بناء المؤسسات. فهذا الأخير يتضمن تنسيق الطباع الفردية مع المصالح الجماعية. فالمجتمعات تتخذ قراراتها عن طريق عدد من الآليات المؤسسية، بما فيها الإرغام، وتفويض السلطة، والتمثيل والتصويت، والاشتراك المباشر.

أيضا فإن رأس المال الاجتماعي يسهل تنفيذ برامج التنمية البشرية المستدامة أو مشاريعها بفضل كونه اكثر تناغما مع الظروف السائدة في الدول النامية إن نظريات التنمية الحالية القائمة على ما هو موجود في الدول المتقدمة تستمر في الدفاع عن استنساخ أو تقليد الممارسات المرسخة في أطر مؤسسية في البلدان الصناعية. ومثل هذه النظريات تفترض مسبقا وجود بيئة في الدول النامية مغروسة بشكل نموذجي في ثقافات مختلفة جدا فهي نادرا ما تدخل في المعادلة. والنتيجة أن الإجراءات المقترحة تفشل ويلقى اللوم على البلدان النامية

 إن التركيز على راس المال الاجتماعي يعكس ذلك عن طريق الاعتراف بأن النظام المعياري مختلف إلى درجة أنه يتطلب حلولا تجديدية وليست تقليدية. فهو يقدم   ” عدسة ” للعثور على حلول المشاكل تبنى على المعرفة المحلية والمؤسسات المحلية ؛ وباختصار فهي حلول تملك الصفات التي تربطها بالتنمية  البشرية المستدامة.

خامسا ـ المبادئ الرئيسية التي تستند عليها التنمية المستدامة :

إذا الإنصاف والمشاركة هما من العوامل الرئيسية التي تحتاج إليها التنمية المستدامة. فالمشاركة هي، في الحقيقة، ملازمة للإنصاف لأن الهدف ليس تحويل الموارد من فئة إلى أخرى دون زيادة الإنتاج، بل هو كامن في زيادة الثروة الوطنية وحالة الرقي العامة عن طريق فتح المجال أمام الجميع للمشاركة في النمو والحصول على حصة منصفة من الثروة الوطنية. ولذلك، يؤكد تقرير التنمية البشرية لعام 1996 بأن استراتيجية النمو الاقتصادي التي تشدد على الناس وعلى إمكاناتهم الإنتاجية هي السبيل الوحيد لإتاحة فرص جديدة.

أ ـ مفهوم العدالة المبنية على الإنصاف وتأثيره على نظرية التنمية المستدامة :

وهذا المفهوم يدعو إلى تنظيم المجتمع على أساس نظرية للعدالة تهدف إلى إيجاد التوازن الملائم بين طلبات متنافسة على ثروات البلاد. وهو ينفي انه يمكن تبرير نظام اجتماعي تعوض فيه عن معاناة البعض بحبوحة أكبر للمجتمع ككل. فهو يرى ” أن هذا الشيء قد يكون مسهلا (Expedient)، لكنه ليس عادلا إذ أنه لا يعقل أن تكون حصة البعض أقل لكي يعيش الآخرون بالبحبوحة، وهو يزيد في هذا الشأن: إنما ليس هناك من ظلم في الفوائد الكبيرة التي يجنيها البعض، شرط أن يتحسن وضع الناس الذين لا يمتلكون الثروة، ويستنتج هذا المفهوم أنه طالما ترتبط بحبوحة كل شخص بنموذج تعاون لا يمكن بدون لأحد أن يعيش حياة هنيئة، فإن تقسيم الفوائد يجب أن يؤدي إلى جذب التعاون الإرادي لكل الأشخاص المعنيين، بمن فيهم الذين يستفيدون اقل من غيرهم بسبب موقعهم. لكن ذلك لن يحصل في غياب طرح شروط معقولة. فهذا التصور للعدالة يعتمد على ضرورة إلغاء المسلمات السائدة على المستوى الاجتماعي والمواقع العشوائية القائمة فعلا في التنافس حول الامتيازات السياسية والاقتصادية.

ويبدو أن هذا المفهوم عن مبادئ العدالة التي يمكن أن تؤسس نموذجا للعلاقات المجتمعية، يعود إلى التيارات اليونانية الفلسفية القديمة الداعية إلى مبدأ الإنصاف والعلاقات المنصفة بين الناس. 

ويبدو جليا أن الأصوات تتعالى في معظم المجتمعات حول ضرورة إيجاد آليات اقتصادية لا تؤدي إلى ما يشهده العالم شمالا وجنوبا وشرقا من زيادة في الفقر والبطالة والتهميش تصيب فئات واسعة من السكان، بل إلى أن يعيش العالم ككل حالة بحبوحة ورقي وتقدم علمي وتكنولوجي هائلة. ومن هنا أهمية قضية الإنصاف والمشاركة في المجال الاقتصادي. أن أنصار نظرية الإنصاف والمشاركة في المجال الاقتصادي يبدون قلقهم العميق من تفاقم الاضطرابات الاجتماعية والنزاعات داخل المجتمعات وبين المجتمعات، وزيادة عدد اللاجئين عالميا والعاطلين عن العمل أو المحرومين من الغذاء أو الأدوية أو المياه غير الملوثة، وهو يرون اتجاها تصاعديا في عدد هذه الظواهر السلبية التي تعود أسبابها الجوهرية إلى تناقص الإنصاف وقلة المشاركة الاقتصادية سواء في العلاقات الاقتصادية والسياسية داخل كل دولة أو بين الدول.

ب ـ مبادئ التمكين والحاكمية والمساءلة :

أصبح مفهوم ” التمكين ” (Empowerment) من المفاهيم الرئيسية في تصور مقومات التنمية المستدامة. وتعني كلمة التمكين أن الناس يجب أن يكونوا في وضع يتيح لهم المشاركة الكاملة في القرارات والآليات التي توجه حياتهم ومصيرهم، وأن هذه القرارات والآليات يجب ألا تصاغ في غيابهم ودون أن يتمكنوا من التعبير عن حاجاتهم ومشاكلهم الفعلية وطموحاتهم. وهذه المشاركة تتيح لهم الوصول إلى خيارات أوسع في توجيه مصيرهم وفتح مجالات عمل جديدة، والحصول على وسائل إنتاج وعمل، ولو متواضعة. وليس من الإنصاف بطبيعة الحال أن تتخذ قرارات اقتصادية واجتماعية وبيئية دون سماع وجهة نظر جميع المعنيين بمثل هذه القرارات ومشاركتهم في صياغتها لكي تراعي مصالحهم الحيوية. ومن هنا ضرورة المشاركة في الحياة السياسية وضرورة تقوية الهيئات المهنية والمدنية ومشاركة الناس فيها كي يكون للجميع صوت في مناقشة القضايا الاقتصادية والاجتماعية والسياسية وتأثير على اتخاذ القرارات.

وإن تقوية الهيئات والمنظمات المدنية، هي أيضا، ضرورية لتحسين نوعية الحياة السياسية والضغط على أهل الحكم لكي يصغوا إلى آراء الناس بجميع فئاتهم، كما أنها عنصر هام لما يسمى “الحاكمية”

أو “حسن الإدارة” (Governance)، أي جدية أسلوب الحكم في التعامل مع المجتمع على أساس الحوار بين الحاكم والمحكوم ووجود أدوات المراقبة والمحاسبة وآليات سليمة لاتخاذ القرارات التي تؤثر على حياة الناس، ولتعديلها بسرعة عندما تظهر لمثل هذه القرارات، تبعات تقع على المجتمع أو بعض فئاته. ويتفرع عن هذا المبدأ مبدأ آخر أصبح أيضا دارجا في أدبيات التنمية المستدامة، وهو قابلية أهل الحكم لتحمل المسؤولية عن أعمالهم، أي المساءلة (Accountability). وتعني قابلية تحمل المسؤولية أن أصحاب القرار يعملون في جو من الشفافية ويقدمون المعلومات الكافية لتقييم القرارات المتخذة ونتائج تنفيذها على المجتمع بكل فئاته، وهم يقبلون بالتنحي عن  المسؤولية في حال ارتكابهم أخطاء في ممارسة الحكم واتخاذ القرارات، وخضوعهم لاعتبارات عائدة إلى مصالح خاصة أو فرعية في ممارسة وظائفهم السياسية والإدارية، بدلا من التقيد بالمصلحة العامة ومبادئ الإنصاف المذكورة سلفا. ويتناول هذا المبدأ الهيئات المدنية التي تعمل في الشأن العام مثل النقابات العمالية أو المهنية والتي هي مسؤولة عن الحوار مع أهل الحكم والدولة وأجهزتها.

والحقيقة أن هذه المبادئ ليست جديدة أو حديثة. فالاهتمام بتحقيق المصلحة العام على صعيد المجتمع أو في العلاقات بين المجتمعات كان دائما من اهتمامات كبار الفلاسفة والأنبياء والرسل والمصلحين. والتراث العربي والإسلامي بشكل خاص حافل بالاهتمام بالعدالة والإنصاف وبالمطالبة بتحقيق مصلحة الأمة وزيادة الشورى والعلم. لكن الجهد الذي يبذل الآن في أدبيات التنمية لإعادة تأكيد هذه المبادئ بمقولات ومفاهيم عصرية يدل بوضوح على التدهور العام الحاصل في أساليب الحكم المحلية والدولية، مع يتضمنه هذا التدهور من تزايد في النزاعات الأهلية أو الإقليمية وزيادة الفقر والظلم والفساد في وسط البحبوحة العامة والتقدم العلمي والصناعي الهائل.

ويبدو أن المبادئ الرئيسية للتنمية المستدامة التي تكون المقومات السياسية والاجتماعية والأخلاقية لإرسائها وتأمين فعاليتها هي التالية :

الإنصاف، أي حصول كل إنسان على حصة عادلة من ثروات المجتمع وطاقاته.

التمكين، أي إعطاء أفراد المجتمع إمكانية المشاركة الفعالة في صنع القارات أو التأثير عليها.

حسن الإدارة والمساءلة، أي خضوع أهل الحكم والإدارة إلى مبادئ الشفافية والحوار والرقابة والمسؤولية.

التضامن، بين الأجيال وبين كل  الفئات الاجتماعية داخل المجتمع وبين المجتمعات :

للحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية للأجيال اللاحقة.

لعدم تراكم مديونية على كاهل الأجيال اللاحقة.

لتأمين الحصص العادلة من النمو لكل الفئات الاجتماعية وكل الدول.

وفي نهاية التحليل، تعتمد التنمية المستدامة على ثلاثة أعمدة رئيسية ومتكاملة :

الحفاظ على البيئة والموارد الطبيعية.

الاعتناء بالرأسمال البشري بكل فئاته ومكوناته بحيث تتوفر للجميع المهارات والقدرات والصحة للمشاركة في دورة الإنتاج.

تطوير الرأسمال المجتمعي، أي الإطار التنظيمي للعلاقات المجتمعية على أساس مبادئ حسن الإدارة والمساءلة والإنصاف والمشاركة في اتخاذ القرارات.

ويمكن القول بأن بروز عادات وأنماط جديدة هي مؤشر هام على حدوث تغير اجتماعي. وعندما تصبح هذه العادات والأنماط، مألوفة وشائعة لدى مجموعة من الناس، فإنها غالبا ما تنتج أشكالا جديدة من السلوك الاجتماعي الذي يبرز بشكل نماذج وقواعد وشعائر وعادات وقوانين. وقد تكون رسمية وواضحة كالقوانين والخطوط والمبادئ التوجيهية الإدارية على سبيل المثال. ولكنها غالبا ما تكون غير رسمية، وضمنية، كالعادات اليومية والمعايير والنماذج الأخلاقية والاجتماعية. والسمة المشتركة لكل هذه النماذج هي كونها تنظم كيفية إقامة العلاقات بين الأفراد والمجموعات. وهي كلها دليل على وجود رأسمال اجتماعي ثمين. وبناء عليه، ومن الناحية الجوهرية، فإن انسب المؤشرات في التدليل على أهمية التنمية البشرية المستدامة هو مدى قدرة التجارب الاجتماعية التي تأخذ شكل المشاريع على إحداث تغييرات مؤسسية. ومن الأمثلة على ذلك انتشار ما يسمى مؤسسات القرى الوطنية في نيجيريا كوسائط للتنمية المحلية. فقد أدى نجاحها بدوره إلى إقامة مصارف محلية متصلة الآن في مؤسسة وطنية. وعلى الرغم من فشل بعض هذه المصارف، فإن تغذية رأسمال اجتماعي على مستوى المجتمع المحلي قد شجعت تكوين مثل هذا الرأسمال على المستويين العربي والوطني.

ومن أجل مواجهة التحديات ، لابد من وضع تصورات تنموية واضحة تهدف إلى تحقيق التضامن المجتمعي بالقضاء على الفقر والأمية وجعل وسائل الإنتاج متوفرة لكل الفئات الاجتماعية، كما ذكر سابقا، على أن يكون هذا التضامن مبنيا على دراية متعمقة لسير التطورات الاقتصادية والمالية والصناعية الدولية وعلى البحث الرصين عن سبل زيادة قدرة المجتمع المحلي في مواجهة تحرير المبادلات والأسواق والحصول على حصة ملائمة من فرص وأرباح العولمة، وكذلك تكريس موارد مالية كافية للفئات الاجتماعية المعرضة للتأثيرات السلبية الناتجة عن إزالة الحمايات والقيود وفتح الأسواق المحلية للمنافسة الدولية الكاملة. ومما لا شك فيه أن مبادئ التنمية المستدامة تكون قاعدة منهجية صلبة لكيفية دراسة المشاكل ووضع حلول لها في حوار مستمر بين المسؤولين وقواعد المجتمع المدني بكل فئاته الاجتماعية والمهنية.

والجدير بالملاحظة أن الأقطار العربية معرضة للخطر أكثر من سائر الأقطار النامية (باستثناء الكثير من الدول الإفريقية) لان نموذجها التنموي وتصوراتها الإنمائية لم تأخذ في الحسبان مبادئ التنمية المستدامة، كما سنراه في الجزء اللاحق من الدراسة. ولئن قامت بعض الأقطار العربية بإصلاحات اقتصادية هامة على أثر انفجار أزمة المديونية في الثمانينيات أخذت تفتح تدريجيا أسواقها الداخلية، ووقع البعض منها اتفاقات مع المجموعة الأوروبية لإنشاء منطقة تبادل حر بينها وبين المجموعة الأوروبية ستطبق بالتدريج لكي تصبح نافذة تماما عام 2010، فإن تصورات ما يمكن أن يحصل داخليا في أسواق العمل والقدرة الإنتاجية من جراء تطبيق تلك الاتفاقات لا تزال غامضة وغير دقيقة، كما أن القضية الاجتماعية، بكل أبعادها الاقتصادية والسياسية، لم تحظ بعد بالعناية الكافية، ناهيك عن المشاكل البيئية المتعددة التي تعاني منها الأقطار العربية.

لذلك لابد من تعميم مبادئ التنمية المستدامة في الأقطار العربية والنظر إليها على أنها ليست نقيضة مقتضيات العولمة التي أصبحت مهيمنة على النظام الاقتصادي الدولي، بل على أساس أن استيعاب مبادئها والعمل الدؤوب من اجل تطبيقها هو المدخل الصحيح إلى مواجهة مقتضيات العولمة والتكيف معها بالشكل الناجح لصالح الاقتصاد المحلي.

وفي ضوء كل ما تقدم يمكن القول إن قضايا التنمية المستدامة التي استعرضناها في هذه المقالة تتطلب وضع سياسات تكميلية بهدف تصحيح الفجوات والاختلالات التي ظهرت في المسار التنموي للدول العربية، ومن أهم هذه السياسات الآتي:

1 ـ إصلاح القطاع التربوي وربطة بالقطاعات الإنتاجية بشكل فعال، وتأمين مساهمة شركات ومؤسسات القطاع الخاص في التعليم المهني وفي تمويل الأبحاث العلمية والتقنية لتعبئة القدرات المتوافرة وتوجيهها نحو الانضمام إلى الدورة الاقتصادية مباشرة.

2 ـ اتخاذ التدابير الفعالة لمحو الأمية والقضاء عليها بشكل نهائي، وبالتالي إزالة أحد العوامل الرئيسية التي تؤثر على التنمية المستدامة.

3 ـ إصلاح أوضاع الأجهزة الإدارية المركزية والمحلية وتأمين استقرار العاملين فيها في حياتهم المادية بغية القضاء على عمليات الرشوة والفساد، ووضح حد لتأثير أصحاب النفوذ على ولاء الموظفين في تلك الإدارات. 

4 ـ تحقيق العدالة الضريبية بين الفئات الاجتماعية المختلفة، وتكييف نظام ضريبة الدخل المفروضة على الأفراد والشركات مع مقتضيات التنمية المحلية.

5 ـ تحقيق مبدأ تكافؤ الفرص في الحصول على التسليف ووسائل الإنتاج.

6 ـ العمل على تطوير الإطار المؤسسي والقانوني والسلك القضائي.

7 ـ العمل على الحد من هجرة سكان الريف إلى المدن ومن ظاهرة تركز السكان في مدن كبيرة.

8 ـ اضطلاع مؤسسات القطاع العام والخاص باتخاذ التدابير التي تكرس احترام البيئة وصيانتها.

Subscribe
نبّهني عن
guest
Country or city
التقييم
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
عذراً .. لا يمكنك نسخ المحتوى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x