Uncategorized

الحروب والتفكك الأسري

《 يداً بيد نحو مستقبل آمن ومزدهر

 

تعتبر الأسرة النواة الأهم في المجتمع  والعامل الأول  المؤثر  في المؤسسات الاجتماعية، لذلك كان الإهتمام بالأسرة محط أنظار الكثير من المهتمين من منظمات ومؤسسات وأفراد وكانت خلاصة كثير من الدراسات وأهم القوانين في العالم الإهتمام بالأسرة  لإيجاد مجتمع سليم البناء، من خلال تحقيق ظروف إجتماعية تساعد الأسرة على أداء وظيفتها البيولوجية، و التربوية، و النفسية والدينية و الإقتصادية .

غير أن هناك ظروف  وأسباب  تجعل  نظام الأسرة يتوقف عن أداء وظائفه المذكورة آنفا، ما يعني انهيار البناء الاجتماعي للمجتمع، و تصدع مؤسساته الاجتماعية، و لاشك هناك أسباب مختلفة لخراب النظام الأسري  غير أنني سأكتفي  بذكر عامل الحرب و أثره في تفكك الأسرة وما أكثر الحروب في وطننا العربي الآن !

وقد أوليت الإهتمام للحروب في المنطقة العربية لأنها تعد قلب الصراع بين مختلف القوى العالمية وبالتالي هذا الموقع أثر بشكل كبير على البنية الأسرية في البلاد التي عانت من ويلات الحرب.  وأرجو لفت الانتباه إلى خطورة هذا الموضوع، و تشجيع هيئات البحث و الجامعات وكل مؤسسة ومنظمة  تستطيع  تسليط الضوء على آثار الحرب على الأسرة  العربية بشكل مدروس و احترافي، بغية الوصول إلى حلول عملية سواء أكان ذلك من الناحية الوقائية أو الإجرائية، من أجل الحفاظ على النسيج الأسري في العالم العربي وهذا الأمر أمانة في أعناقنا جميعا .

“انهيار الوحدة العائلية و تحلل أو تمزق نسيج الأدوار الاجتماعية عندما يخفق فرد أو أكثر من أفرادها في القيام بالدور المناط به على نحو سليم و مناسب”

و هذا الموضوع  بلا شك معقد و واسع وسأبدأ بذكر !

 

الخلفيات التاريخية للحروب :

لقد سعت قوى الخير في البشرية منذ مطلع التاريخ إلى تحقيق العدالة و المساواة و الأمن و الاستقرار لكافة البشر داخل مجتمعاتهم، و بين المجتمعات المختلفة، من خلال إرساء قواعد للتواصل الحضاري؛ التي تكفل للإنسان الحق في عيش حياة كريمة و مستقرة، غير أن روح الصراع لم تفارق كوكب الارض، بسبب الاصطدام المستمر بين قوى الخير و الشر، و أسباب هذا الصدام عديدة، غير أن الحاجة كانت العامل المشترك بينها، و يرجع التنازع عليها إلى أسباب دينية و مادية، و الأسباب الدينية معروفة، و أما المادية فترجع إلى قلة و محدودية موارد الحياة مثل الطاقة و الماء و الغذاء ، الأمر الذي يدفع إلى تصادم كتل بشرية هائلة، و غير متكافئة، تكون آثارها وخيمة على الأسرة ولأن الأسرة أهم خلية في المجتمع، فإن آثار الحروب و النزاعات المسلحة عادة ما تكون خطيرة العواقب عليها، و لعل أهمها “ظاهرة التفكك الأسري”، التي تظهر بعد الحروب، و التاريخ شاهدعلى ذلك وهناك مؤلفات ودراسات كثيرة أوضحت كيف انهارت المجتمعات بعد انهيار أوعيتها الاجتماعية و على رأسها الأسرة بعد الحروب.

  • لقد عانى المجتمع العربي من ويلات الحروب
  • كغيره من المجتمعات في العالم خاصة في القرنين الأخيرين
  • بفعل الحركة الاستعمارية المباشرة، التي مست استقرار العالم العربي، و حولته إلى كانتونات غير منسجمة، نتيجة حرص قوى الاستعمار على ضرب هويته الحضارية، ورغم ذلك فقد ظلت الدول العربية بعد نيلها لاستقلالها تتمتع بنوع من الاستقرار لعقود من الزمن، باستثناء الأراضي الفلسطينية المحتلة، التي عرفت حروبا كثيرة، شنها ضدها الاحتلال لصهيوني بشكل مستمر وممنهج، إلّا أنّ الأمية و التخلف أبرز ما ورثته من المستعمر .
  • غير أن العقود الثلاثة الأخيرة عرفت تدهورا خطيرا في الحياة العربية، بسبب ظهور نزاعات مسلحة و حروب أهلية في مناطق مختلفة من العالم العربي، مثل العراق و سوريا و اليمن و ليبيا  كانت آثارها مؤلمة جدا على المجتمع العربي .

و كانت الأسر العربية أبرز المتضررين من الحروب و الصراعات المسلحة، بعد سقوط ملايين الضحايا، و ظهور موجات نزوح ضخمة، الأمر الذي ساهم في تفكك الكثير من الأسر العربية فهناك من فقد كل أفراد عائلته وهناك من سافر إلى بلد وأهله في بلد وهناك من لجأ إلى ذات البلد مع أهله ولكن المشاكل كثيرة وكل فرد تخلى عن مسؤولياته و ترتب على ذلك انهيار الأسرة جراء الضريبة الباهظة للحرب .

و لفهم هذه الأثار الوخيمة بشكل واقعي و موضوعي، فإن الجهود العلمية و المؤتمرات يجب أن تركز على الحروب التي شهدتها بعض الدول العربية بداية التسعينات و بداية الألفية وصولا إلى الحرب البشعة التي تقودها قوى الشر ضد الشعب السوري و ثورته العظيمة، تلك الحروب التي خلفت – ومازالت – مئات الآلاف من القتلى و الجرحى و المفقودين، و مئات الآلاف من المعتقلين  و قد كان الكثير من هؤلاء الضحايا أرباب أسر، لهم دورهم الحساس في بقاء أسرهم و تماسكها، سواء أكان المسؤول عنها أبا أو أخا، أو من يأخذ هذا الدور عند غياب أحدهما أو كلاهما في الغالب.

  • من المؤسف أننا لا نملك بين أيدينا إحصائيات حول مخلفات الحرب من الناحية الاجتماعية على المجتمعات العربية، التي شهدت حروبا أو نزاعات مسلحة، غير أن الكل يجمع على أنّ الحرب تشبه في آثارها الانفجار البركاني، الذي تؤدي حممه إلى تغيير واقع الأرض و جغرافيتها، و هو ما حدث بالفعل في الدول العربية التي شهدت حروبا مدمرة مثل السودان و الجزائر و العراق في التسعينات، فبعد أن وضعت الحرب أوزارها بدأت تطفو إلى السطح نتائج خطيرة على مستويات عدة، أهمها المستوى الاجتماعي، حيث انهارت الخلية الأولى للمجتمع – الأسرة – نتيجة عوامل كثيرة، كان من أبرزها فقدانها للعائل الرئيس لها، و فقدانها لمصدر رزقها، و المسكن الذي كان يؤويها وتشتت الأفراد دون أن ننسى عامل اللجوء نحو دول الجوار و العالم.

و بفعل انتشار الصراعات و العداوات و القطيعة بين الأقارب، الشيء الذي أدى إلى انحسار  دور الأسرة الكبرى أو الوالدية لصالح الأسرة النواة، و التي لم تصمد أمام تيار العولمة الجارف، و التغيرات الجذرية التي طرأت على الحياة الاجتماعية وتغير فكر الشباب والشابات وتأثرهم بالحرب والمجتمعات التي لجأوا إليها وبعد انتهاء الحرب سيظهر هذا الأمر جليّا للعيان.

و الحديث عن التفكك الأسري لا يمكن أن ينحصر معناه في الانهيار المباشر للأسرة، بفعل فقدان العائل أو المأوى أو مصدر الرزق فهذا يعد أثرا جزئيا للحرب، فالانهيار المعنوي والأثر النفسي  للأسرة -بفعل الحرب- أخطر بكثير من الانهيار المباشر؛ لأنه يمس أغلب أسر المجتمع، حتى تلك التي لم يكن لها ضحايا خلال الصراع.

  • انهيار منظومة القيم الحاكمة للأسرة العربية،:حيث بدأت قيم التضامن و التكافل الاجتماعي و التعاون تفقد دورها لصالح قيم الصراع و التدابر؛ بعد أن استفحلت الأنانية الجمعية، و اختفت الثقة بين أفرادها، و غاب التدبير المصلحي المتعدي النفع لصالح ظاهرة السعي نحو تحقيق المصالح الذاتية، و لو على حساب الأسرة و تماسكها، كما أدت الخسائر البشرية و الاقتصادية إلى خروج المرأة للعمل بشكل غير مدروس، الأمر إلى استحواذ الإناث على أغلب مناصب العمل و أدى ذلك ايضا إلى تحقيق المرأة-أهم عنصر مكوّن للأسرة- “استقلالها المالي” على حساب جوانب أخرى أهمّ، ما تسبب بشكل مباشر  في انتشار خلافات لم تعهدها مجتمعاتنا العربية من قبل وأدت بذلك إلى الطلاق والخلع بشكل غير مسبوق
  • وبفعل انتشار البطالة، و استفحال أزمة السكن، و الهجرة الداخلية و الخارجية، و ظهور سلسلة من الآفات الاجتماعية أبرزها: انتشار العصابات الإجرامية، و استفحال القتل، و اختلاط القيم الحضرية بالريفية، و تمزق النسيج الثقافي و الاجتماعي واللجوء إلى مجتمعات قيمها وعاداتها مختلفة كليّا عن بيئة المجتمع الذي أصابته سهام الحرب و ذلك  أدى  بدوره إلى خلل كبير في بنية الأسرة العربية.

كيفية مواجهة آثار الحرب على الأسرة العربية:  الحرب تبقى أحد أخطر أسباب التفكك الأسري  بما تتركه من خدوش عميقة في الذات  الأسرية، خاصة أنّ آثار الحرب على الأسرة و أفرادها تظهر على شكل سلسلة من النتائج التراكمية، ما يستدعي دراسة التفكك الأسري في ظل الحروب و الصراعات المسلحة دراسة عميقة، و تخصيص دراسات خاصة بهذا الموضوع و مؤتمرات على أعلى مستوى للتعريف بأثر الحروب على الأسرة التي هي نواة المجتمع، و لفت الانتباه له، و العمل من أجل الوصول إلى آليات الحماية الاجتماعية و النفسية و الاقتصادية التي تحافظ على الحد الأدنى لمعنى الأسرة، و الإسراع في إعادة إحياء التكافل الإسلامي بين الشعوب العربية، لاحتواء أثار الحروب التي تشهدها المنطقة العربية  وهذا المقال هو أمانة في عنق كل شخص يستطيع المساهمة ولو بحرف لتسليط الضوء على هذه المشكلة التي سيكون لها آثار جمة في السنوات القادمة وسيترتب عليها خطورة كبيرة على الإسلام والهوية العربية و الإسلامية وضياع أجيال كاملة من أبناء الوطن العربي .

 

◈◈◈◇◈◈◈

الكاتب : الدكتورة يسرى رشيد خضر ديبان

البلد : الجمهورية العربية السورية

رقم العضوية : 181

يداً بيد نحو مستقبل آمن ومزدهر

الاتحاد العالمي لتقنيات التنمية البشرية والتطوير الذاتي

Subscribe
نبّهني عن
guest
Country or city
التقييم
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
عذراً .. لا يمكنك نسخ المحتوى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x