علوم اجتماعية

الطلاق وأثره على المجتمع

☚ يداً بيد نحو مستقبل آمن ومزدهر

 

تشكل ظاهره الطلاق في أي مجتمع خطر يهدد استقراره وتقدمه .. والطلاق ينعكس سلبا على أفراد المجتمع ومؤسساته مما يودي إلى التفكك وعدم الاستقرار ومن ثم تنتشر الانحرافات السلوكية بين أفراده ويزداد معدل الجريمة بين أفراد المجتمع.

الطلاق من الأمور المنبوذة لدى المجتمعات على مختلف دياناتها وثقافاتها، لأنه يعد من أخطر الأمراض الاجتماعية، ويحمل في طياته كثيراً من الأضرار التي تخيب آمال المجتمعات وتقدمها.

 

أ- أبرز الأسباب المؤدية إلى الطلاق:

1/ بعض العوامل النفسية والذاتية المتعلّقة بالزوج أو الزوجة:

ومنها الرغبة في تعدد الزوجات مع عدم العدل، والفارق في السن بين الزوجين، والأوضاع الصحية، الجسمية، والنفسية التي تعيق الفرد عن دوره الأسري، والانحرافات السلوكية والانحطاطات الخلقية، وضعف الوازع الديني.

من هذه الأسباب ما يتعلّق بالزوجة ككراهيتها للرجل والنفور منه، وعدم القدرة على الإنجاب، وعجزها عن الوفاء بدورها كزوجة، كإهمالها لشؤون البيت، وعدم طاعتها واحترامها للزوج، والتحريض من صديقاتها أو قريباتها، وعدم تفعيل العواطف وممارستها على أرض الواقع، وعدم تكيّف الزوج، أو الزوجة مع الحياة الجديدة بعد الزواج، والغيرة المرضية التي تؤدي إلى إثارة الخلافات والمشاكل، ومن خلالها تنعدم الثقة بالطرف الآخر، وعدم الالتزام بالجانب الترويحي والترفيهي للأسرة، مما قد يصيبهم بالضيق، والتوتر، والاضطرابات النفسية، وعدم النضوج العمري، واكتمال الخبرة للزوجين مما لا يساعد على تحمّل المسؤولية الزوجية، والزواج في سن الشيخوخة لا يساعد على تكوين علاقة زوجية ناجحة.

 

2/ بعض الأسباب الاقتصادية والاجتماعية ومنها:

ضعف الدخل، عدم استطاعة تحمّل تكاليف المعيشة، وعدم القدرة على تأمين السكن، والوفاء بمستلزمات الأسرة، واستقلال المرأة بدخلها الشهري، ونزولها لميدان العمل وعدم تبعيتها للزوج، والاختلاف في المكانة الاجتماعية، سواء كانت مكتسبة، أو موروثة (مكانة الأسرة – المكانة الوظيفية – المكانة التعليمية)، واختيار كل منهما للآخر لمصلحة مادية أو معنوية، وعدم بناء الاختيار على أساس هدف الزواج السليم، عدم التوافق في الفكر والمستوى الثقافي والنظرة إلى الحياة، وعدم احترام الشروط المتفق عليها بين الأطراف.

  • بعض العادات التي لا تتيح للزوج أن يرى مخطوبته قبل الزواج رغم أن الرؤية شرعية ومباحة.
  • عدم معالجة المشاكل بعقلانية وترو.
  • عدم قيام أحدهما أو كلاهما بالحقوق المطلوبة من كل منهما.
  • تدخل بعض أفراد أسرة الزوج أو الزوجة مما قد يفسد العلاقة بينهما.
  • الاختلاف الكبير في السلوك العام للرجل والمرأة في بعض القدرات النفسية والعقلية، مثل الطباع والانفعالات وغيرها.
  • عدم القدرة على تحمّل المسؤولية الأسرية، سواء الزوج أو الزوجة، لتكوين الأسرة، وتربية الأبناء في ظل التغيّرات الاجتماعية، والاقتصادية التي تنقل الأفراد والأسرة من حال إلى حال.
  • صراع الأدوار بين الزوج والزوجة، فكل منهما يريد لعب الدور الأساسي في الأسرة والسيطرة، خاصة إذا شاركت الزوجة في الدخل الاقتصادي للأسرة.
  • ارتباط الزوج أو الزوجة بأسرتيهما، من حيث السكن، أو القرارات التي تخص حياتهما، فالأسرة تلعب دوراً كبيراً في حياة الفرد في مجتمعنا، حتى إذا لم يكن يسكن داخل الأسرة، ولكنه يرتبط بها عاطفياً وسلوكياً، فالأسرة مؤثِّرة جداً في قرارات الأفراد والأزواج.
  • كثرة المطالب التي لا يتحمّلها طرف من الآخر وهذا قد يؤدي إلى خلاف، ومن ثم الطلاق.
  • طغيان شخصية أحد الزوجين على الآخر بشكل ملموس مما يؤجّج الخلافات بينهما.
  • التباين في النشاط الجنسي قد يؤدي على زيادة التوتر بين الزوجين.

ب- بعض الآثار المترتبة على الطلاق:

أي ظاهرة كانت، لا بد لها من آثار سلبية، أو إيجابية، وكذلك الحال بالنسبة لظاهرة الطلاق فمن المعلوم أن الطلاق مشكلة اجتماعية، لها آثار ضارة بالمجتمع، وسوف نركِّز على هذه الآثار السلبية على الفرد والمجتمع.

 

1/ بعض الآثار النفسية على المطلقين:

فالطلاق يؤثِّر على المطلقة، ويؤدي إلى ضغوط نفسية عليها، مثل: الشعور بالندم، ونقص الإحساس بقيمة الذات، ومرارة الفشل في الحياة الزوجية، وفقدانها هويتها كزوجة. والإحساس بالحرمان، وعدم احترامها في كثير من المجتمعات، بالإضافة إلى الشعور بعدم إتاحة الفرصة لها بالزواج مرة أخرى. أما الآثار النفسية التي تصيب المطلق، فتتمثّل في: إصابته بالسلبية تجاه النساء بشكل عام، فيعتريه الخوف بأنه سوف يُرفض من قِبل النساء الأخريات بعد الطلاق، فيُصاب باهتزاز الثقة في نفسه في إنجاح الحياة الزوجية مرة أخرى، وعدم الثقة بالمرأة كزوجة، وينظر إلى النساء بأنهن من صنف واحد. وكثيراً ما يلقي اللوم على النساء، بأنهن السبب في عدم نجاح الحياة الزوجية.

 

2/  بعض الآثار الاجتماعية الناتجة عن الطلاق:

  • النظرة السلبية للمطلقات من قبل أفراد المجتمع.
  • عدم الإقدام على الزواج من المطلقة، حتى ولو كانت صغيرة في السن. ويُنظر لها كأنها مرتكبة جريمة.
  • الشكوك لدى بعض أفراد المجتمع بأن المطلقة تكون عرضه للانحرافات السلوكية أكثر من غيرها مما يجعلها أكثر تعرضاً للمراقبة الشديدة المستفزة المؤذية في بعض الأحيان.
  • المجتمع يُشْعِر المطلقة بأنها صاحبة سابقة وينظر إليها بعدم الاحترام والتقدير، وكأنها هي السبب الأساسي في الطلاق. النفور من المطلقة، وهذا نتيجة توجه اجتماعي محسوس، فالمتزوجات المستمرات في الزواج سواء كنّ صديقات، أو قريبات، أو زميلات، وغيرهن، ينفرن من المطلقة وذلك لشعورهن بأنها مسببة لمشكلات يمكن أن تنتقل إليهن، وهذا اعتقاد خاطئ ولكنه سائد بين أوساط النساء.
  • المطلقة تكون معرّضة للّوم والتجريح، من أفراد المجتمع على طلاقها.

أما الآثار التي تقع على الرجل، فهي أقل نوعاً من التي تقع على المرأة: فبعض العوائل يَنظرون إلى المطلق على أنه إنسان لديه مشاكل، فيتخوفون من تزويجه، فكلمة مطلق تضع عليه وصمة، مما يؤدي إلى التعامل معه بحذر.

وكلا المطلقين يواجهان مشاكل كثيرة مع الأطفال بعد الطلاق، ويعانيان من اضطرابات نفسية، واجتماعية، وقد يتغيّر تعاملهما مع الآخرين.

الآثار المترتبة على الطلاق بالنسبة للأولاد:

1/ يُصاب الأولاد بتشتت بين الأب والأم.

2/ يُصابون بسوء التكيّف النفسي والاجتماعي.

3/ الفشل دراسياً واجتماعياً في كثير من الأحيان.

4/ يفتقد أولاد المطلقين لأساليب التربية، والتنشئة السليمة، داخل هذه الأسرة المفككة، مما يجعلهم عرضة لارتكابهم الجرائم.

5/ يصابون بضعف البناء النفسي والذاتي، ويتصفون بالحدة والعنف.

6/ يعيشون فراغاً عاطفياً ولا يشعرون بالأمن مع الآخرين، كما يؤدي عامل غياب الأب إلى فقدان النموذج والقدرة في الاحتذاء به.

7/ يؤثِّر الطلاق سلباً على حياة الأبناء، فيتّسمون باضطرابات في النمو الانفعالي والعقلي، كما أنهم يتعرضون لحالة من الكبت والضغوط التي تؤثِّر على علاقاتهم الاجتماعية، جراء تفكك أسرتهم.

8/ يُصاب الأولاد بالصراع الداخلي نتيجة انهيار الأسرة.

9/ ينتاب أبناء المطلقين شعور بالنقص، والبؤس، والإحباط، والحقد نحو الآخرين.

10/ تظهر على الأبناء علامات اللا مبالاة، والفتور، وفقدان القدرة على الاستيعاب، وإعلان التمرد والعصيان، وهذا كله تسببه الصدمة النفسية لانفصال الوالدين.

11/ يشعر الأبناء دائماً بالخوف، وفقدان الثقة بالطرف الذي يعيشون معه، ويستمر الحال هكذا حتى بعد زواجهم مستقبلاً، فيؤثِّر على حياتهم الزوجية.

12/ يُصاب الأبناء أثناء المنازعات والخلافات المتكررة، قبل وبعد الطلاق بالتوتر النفسي وينتج عنه:

  • زيادة في إفراز هرمون الضغط العصبي الذي يضر بعض أجزاء المخ، وبخاصة مركز الذاكرة لدى الطفل.
  • انخفاض في إفرازات هرمون النمو في الجسم، الذي يفرز أثناء النوم العميق، والمتوتر نفسياً يضطرب لديه النوم، فيقل إفراز هذا الهرمون.
  • يؤدي التوتر إلى ضعف جهاز المناعة بالجسم.

 

بعض النصائح التي قد تخفف من ظاهرة الطلاق:

1 – دعا الشرع الإسلامي كلاً من الزوجين إلى استشعار المسؤولية نحو أولادهما فقال صلى الله عليه وسلم: (كلكم راعٍ وكلكم مسؤول عن رعيته) إلى قوله صلوات الله وسلامه عليه: (والرجل راعٍ في أهله ومسؤول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها ومسؤولة عن رعيتها…). (الحديث)

2 – أن يصبر كل منهما على الآخر، وأن يغض الطرف عما لا يرتضيه من الآخر، فشريك الحياة ليس كله سيئاً، فإذا كره منه خلقاً، أحب منه خلقاً آخر، ويحاول كل من الشريكين أن يطوّر الجوانب الحسنة في شريكه، من خلال الثناء والمدح، وذكر هذه الجوانب الحسنة، والإيمان بأن النقص من صفات البشر، وبدون تحمّل الأخطاء لا تدوم المودة.

3 – تبصير الطرفين بالحقوق والواجبات المترتبة على الحياة الزوجية بينهما، وتثقيفها بالثقافة الإسلامية من خلال دورات من قِبل مكاتب الإرشاد الأسري، وتزويدهما بالنشرات والكتيِّبات التي تحث على تقدير الحياة الزوجية واستقرارها.

4 – على الأسرة مراعاة السن المطلوبة للزواج، بحيث لا يقل عن (20) سنة، بجانب تقارب سن الزوجة.

5 – إذا كانت الزوجة صاحبة عمل، أو لديها دخل مادي، فلا بد من الاتفاق بين الطرفين، وتحديد مسؤولية كل منهما، من ناحية المساهمة في مصروفات الأسرة وتوزيع الدخل.

6 – تعدد الزوجات مباح، وليس لأحد القدرة على منع الرجل من التعدد، ولكن كل رجل لديه عقل ومعرفة في أسرته، فالعاقل لا يهدم أسرة، ويبني أخرى، فإن أدرك أن الزوجة الأولى لا تستطيع التعايش مع زوجة ثانية، فالأفضل أن يتوقف عن هذا المشروع، حرصاً على أسرته وأولاده.

7 – لا ينبغي للزوجين أن يغلّبا لغة العنف والقسوة بينهما، والالتزام بالهدوء وضبط النفس، فلا بد من حل المشكلات بالحوار، والتنازل عن بعض الحقوق، وتوظيف شعرة معاوية بينهما.

8 – أن لا يسمح كل من الزوجين بتدخل أحد في حياتهما سواء من قبل الأهل، أو الأصدقاء، أو الأقرباء.

9 – أن يتبادل كل منهما كلمات الحب والتودد والحنان، لأن الإنسان يحتاج إلى إشباع غريزة العاطفة، وهذه العبارات قد تشبع الجانب العاطفي.

10 – لا بد من التوافق الثقافي بين الزوجين (عادات – قيم – تقاليد – بيئة اجتماعية – بيئة طبيعية) وعدم الاستعجال والخوف من العنوسة.

11 – الحذر من اختيار الخاطبة التي تسعى من أجل الطمع المادي، ويتم ذلك بالضغط على الطرفين حتى توفق بينهما، من أجل حصولها على المبلغ، وبعد ذلك هي ليست مسؤولة عن استمرار الزواج من عدمه.

12 – البعد عن الزواجات التي تهدف إلى الاستمتاع، وتثبت فيها النية بعدم الاستمرار، مثل: زواج المسيار، والمصياف، والوناسة….إلخ.

14 – إذا وصل الزوجان إلى طريق مسدود في حل مشاكلهما، وجب أخذ حكم من أهله وحكم من أهلها، لحل الوضع المتأزم بينهما، لعل الله يغيِّر الحال، وتبرز أفكار جديدة من الحكمين لحل الخلافات، والتسلّح بالدعاء فهو دأب النبيين وعدة الصالحين، قال تعالى: {وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إصلاحا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا} سورة النساء الآية (35).

 

 

بقلم الأستاذ الحقوقي عبدالرحمن العيساوي

جمهورية العراق / 415

الاتحاد العالمي لتقنيات التنمية البشرية والتطوير الذاتي

Subscribe
نبّهني عن
guest
Country or city
التقييم
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
عذراً .. لا يمكنك نسخ المحتوى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x