علوم اجتماعية

غسل العار

يداً بيد نحو مستقبل آمن ومزدهر

 

— دراسة تحليلية من خلال كتاب ( دراسة في طبيعة المجتمع العراقي لعلي الوردي ) —

ان هذا الكتاب الفريد من نوعه للراحل علي الوردي جاء بعد تحقيق دقيق لطبيعة وبنية المجتمع العراقي في وقته آنذاك .

ولعل الأمراض الاجتماعية التي ابتلى بها المجتمع العراقي والتي رصدها الدكتور الوردي كانت كثيرة ، ومن بينها موضوع غسل العار في المجتمع العراقي ، وقد كان كلام الوردي في هذا الشأن دقيقا وشاملا لهذا المرض الشائع آنذاك ، أما الأن فكثير من الامور تغيرت .

وقد تحدث الوردي في البداية عن وضع المرأة في الريف العراقي ، فجاء قوله كالآتي : (( في الريف العراقي عادة شائعة جدا هي قتل المرأة عند الاشتباه بسلوكها ، وتسمى بغسل العار ، وهذه العادة موجودة في كثير من المناطق في البلاد العربية ، ولكني أميل الى الظن بأنها في الريف العراقي أوسع انتشارا وأشد وطأة منها في أي منطقة اخرى من الوطن العربي )) ص 237 .

وهنا الوردي يشير الى ان هذه الظاهرة في العراق أوسع انتشارا من أي منطقة اخرى في الوطن العربي ، ونعتقد ان الوردي لم يكن مصيبا في هذا الأمر ؛ لان موضوع غسل العار ينتشر في جميع المجتمعات العربية والإسلامية .

ومن ثم يعود الوردي ليتحدث عن وضع المرأة في مجتمعات البداوة الصحراوية ، فيقول : (( من النادر في الصحراء ان تقتل امرأة لسوء سلوكها . ان ظروف الحياة البدوية تساعد المرأة على المحافظة على عفتها وحُسن سمعتها . فالرجل البدوي عفيف في الغالب ، وهو لا يحاول إغراء المرأة او التحرش بها إلا نادرا . والمرأة من الجهة الاخرى تعيش بين أبناء قبيلتها ، وهي قلما تحتك بغيرهم . وإذا اضطرتها الظروف أحيانا الى الانتقال وحدها الى موضع بعيد ، وجدت أينما ذهبت من يحميها ويصونها )) ص 238 .

والوردي هنا وصل إلى لب الحقيقة فالبدوي مثلما ذكر الوردي يهتم اهتماما كبيرا بموضوع المحافظة على شرف المرأة وحسن سلوكها وعفتها .

ولأن موضوعنا الذي نحن بصدد دراسته والتعرض له هو موضوع غسل العار ، فالوردي وصل إلى حقيقة مفادها ان هذا المرض من النادر انتشاره عند البدو ؛ ولكنه أوسع انتشارا في الريف العراقي .

ومما قاله الوردي في هذا المنوال ما جاء على لسانه بقوله : (( ان المرأة في الصحراء قلما تكون معرضة الى الاغراء او الزلق . ولهذا فمن النادر ان نجد البدو يستعملون عادة غسل العار في نسائهم . ولكن المشكلة تبدأ بالظهور عندما ينتقل البدو الى الريف العراقي ويأخذون باستغلال المرأة وبإرسالها الى الاسواق بائعة او شارية . فهناك تكون المرأة معرضة للإغراء في السوق ، او في طريقها اليه )) ص 238 .

ومن خلال كلام الوردي نفهم ان البدو في مجتمعهم الصحراوي بعيدين عن هذا المرض ، ولكن فيما لو انتقلوا إلى مجتمع الريف فمن المتوقع ان يصابوا بهذا المرض نتيجة المتغيرات التي ستواجه المنتقلين من الصحراء الى الريف .

وقد تطرق الوردي الى عدد من قصص غسل العار ، ولعل المجال هنا لا يتسع الى ذكرها ، فلا نعتقد ان أحدا ما لم يسمع بواحدة من تلك القصص .

لذا سوف نكتفي بنقل ما قاله الوردي في صفحة 239 بقوله : (( ان قصص غسل العار في العراق كثيرة جدا تكاد لا تحصى . وقد قدم لي احد طلابي تقريرا يتضمن من هذه القصص ما يدهش ويذهل . وحدثني صديق لي ، وهو قد كان من الأطباء الشرعيين في بغداد منذ زمن بعيد ، قصصا عجيبة في هذا الموضوع . فهو قد شَرح كثيرا من جثث النساء اللواتي قُتلن من اجل غسل العار ، وظهر له من التشريح أن بعضهن لم يزلن ببكارتهن ، ولكن أهلهن أسرعوا لقتلهن لمجرد الشبهة ، أو بتأثير إشاعة رعناء)) ص 239 .

ومن خلال كل ما تقدم نصل إلى نقطتين رئيسيتين تم استنباطهما من خلال كلام الوردي ، علما إننا قد لا نتفق مع الوردي فيما ذهب إليه ، وهما :

اولا : ان الريف العراقي البيئة الأوسع انتشارا لهذا المرض الاجتماعي .

ثانيا : ان العائلة الريفية عندما تصاب بهذا المرض ، او تُشار أصابع الاتهام إليهم بمثل هذا الامر فهم يسارعون الى قتل المرأة بحجة غسل العار دون تحقيق او تفكير ، وغالبا ما يشعروا بالندم بعد ان تنكشف الحقيقة فيجدوا انفسهم مخطئين بما اقترفته أيديهم تجاه اقرب الناس اليهم .

بقلم الأستاذ حسن حجاب ياسين

يداً بيد نحو مستقبل آمن ومزدهر

Subscribe
نبّهني عن
guest
Country or city
التقييم
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
عذراً .. لا يمكنك نسخ المحتوى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x