الرئيسية

تحريم القتل

يداً بيد نحو مستقبل آمن ومزدهر

 

بسم اللَّه الرحمن الرحيم

الحمد للَّه، والصلاة والسلام على سيدي رسول اللَّه، وعلى آله وصحبه ومن والاه .

أما بعد:

فإنَّ من المقاصد التي جاءت بها شريعة الإسلام حفظ النفس والمحافظة عليها بكل الوسائل والسبل، وذلك أن الشريعة الإسلامية تعنى بتقليل المفاسد وإلغاءها، وأعظم المفاسد هي قتل النفس التي حرم اللَّه إلا بالحق.

قال اللَّه تعالى: {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [سورة المائدة:32]. فإن قتل النفس المعصومة هو قتل للناس جميعاً؛ ذلك أن القاتل باستهانته لجريمة القتل تهون عليه أنفس فلا يلقي بالاً أقتل فرداً أم جماعة، فباستحلاله للدم المعصوم يستحل دماءً كثيرة. وعلى العكس مَن حرص على النفس المعصومة وأحياها بكل السبل والوسائل التي تحافظ عليها فهو كمن حافظ على أنفس كثيرة.

قال ابن عباس رضي اللَّه عنهما: المعنى من قتل نفساً واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعاً. ومن ترك قتل نفس واحدة وصان حرمتها مخافتي واستحياها أن يقتلها فهو كمن أحيا الناس جميعاً.

 

إن جريمة قتل النفس المعصومة لا تقبلها شريعة سماوية، ولا ترتضيها الأنفس الطاهرة، فالله تعالى خلق الإنسان ومنحه الحياة وحرم إزهاق هذه الروح التي يمتلكها، فالتعدي عليها جناية توجب القصاص من منتهك حرمتها؛ وقد نصت شريعة الإسلام العظيمة على هذه المسألة، إحياءً لها وحفاظاً عليها فقال تعالى: {وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ} [سورة البقرة:179]. قال شيخ المفسرين الإمام الطبري رحمه الله عن هذه الآية: ولكم يا أولي العقول، فيما فرضتُ عليكم وأوجبتُ لبعضكم على بعض، من القصاص في النفوس والجراح والشجاج، مَا مَنع به بعضكم من قتل بعض، وقَدَع بعضكم عن بعض، فحييتم بذلك، فكان لكم في حكمي بينكم بذلك حياة.

إنَّ الإسلام دين العدل والاعتدال، دين السلم والمسالمة، وقد حرص شديد الحرص على توجيه سلوك الإنسان وأخلاقه، وحماية لحياته من أي اعتداء. بل بين مكانته وفضله بين الخلائق فقال عز وجل: {  وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا } [سورة الإسراء:70]. فلا مجال البتة لإهانة الإنسان ومعاملته معاملة غير لائقة به، بل جعل للنفس الإنسانية مكانة محترمة، وفضلها على كثير من الخلائق. فإذا كان دين الإسلام يرأف ويرحم تلك الدابة التي لا تعقل ولا تعرف عن موتها شيئاً أن يسايرها الإنسان فلا يريها شفرته، ويوصيه بأن يحدها، ويرح ذبيحته، فإن وصيته للمحافظة على النفس المعصومة كانت أشد وأحرص، فقال سبحانه وتعالى: {وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَمَنْ قُتِلَ مَظْلُومًا فَقَدْ جَعَلْنَا لِوَلِيِّهِ سُلْطَانًا فَلَا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ إِنَّهُ كَانَ مَنْصُورًا } [سورة الإسراء:33]. وتوعد القاتل بأشد وعيد، وأنكى عقاب فقال عز وجل: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} [سورة النساء:93]. فمن نظر إلى ما يتحصل عليه القاتل من عقوبة يعلم أن ما فعله أمر عظيم، واستحق عليه: جهنم، وغضب الله، ولعنته، مع ما يناله من العذاب الأليم. كان حري بكل مسلم عاقل أن لا يخرج من هذه الدنيا وفي رقبته دم مسلم ولو قدر أنملة لا مباشرة في القتل ولا تحريضاً عليه فالمباشر وهو القاتل والمحرض سواء في العقوبة والجزاء. وهذا ما فهمه كبار الصحابة رضوان الله عليهم وأقروه لعمر رضي الله عنه كما أخرج مالك في الموطأ بسنده عن سعيد بن المسيب؛ أن عمر بن الخطاب قتل نفراً. خمسة أو سبعة. برجل واحد قتلوه قتل غيلة. وقال عمر: لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم جميعاً. وهذا من حكمة عمر رضي الله عنه وعدله، فكما أنهم اجتمعوا وتشاركوا ورضوا في قتل الرجل استحقوا العقوبة جميعاً جزاءً وفاقاً.

وقد جاء في السنة أحاديث كثيرة في التوعد والتهديد والتحذير من إراقة دم بغير حق:

منها: ما أخرجه البخاري في صحيحه (6878) بسنده عن مسروق، عن عبد الله، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” لا يحل دم امرئ مسلم، يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب الزاني، والمارق من الدين التارك للجماعة “. وهذا نص صريح في حرمة قتل النفس إلا بما استثني.

ومنها: ما أخرجه البخاري في صحيحه (6533) بسنده عن شقيق، سمعت عبد الله رضي الله عنه: قال النبي صلى الله عليه وسلم: ” أول ما يقضى بين الناس بالدماء “.

 

إن المسلم الحريص على دينه ومآله ينبغي أن يراعي حدود الله تعالى فلا ينتهكها، وأي انتهاك أعظم من الولوج في دماء حرمها الله تعالى، وأي انتهاك أشد من التعدي على نفس معصومة أمر الله تعالى بحفظها، إن الحريص الذي يعلم أن بانتهاكه لهذه الحرمات سيقف أمام جبار الأرض والسماوات، وقد أوقفه على رؤوس الخلائق حاملاً راية الغدر والخيانة، مطأطأ رأسه ندماً على ما انتهك وتعدى، جاء في الحديث: ” يجيء المقتول يوم القيامة متعلقاً بالقاتل، تشخب أوداجه دماً، فيقول: يا رب، سل هذا لم قتلني؟ “. إنَّ الخذلان كل الخذلان أن يبيع المسلم دينه بعرض من الدنيا زائل.

وهنا لا بد من بيان حقائق ثابتة،

  • الإسلام دين عدل وسلم لا يجيز التعدي على الحرمات ولا انتهاكها.
  • الإسلام بيَّن موقفه من القاتل وأنه مجرم يستحق الجزاء العادل بالقصاص في الدنيا، وعقوبة النار وغضب الله في الآخرة.
  • القاتل المباشر للنفس المعصومة والمحرض سواء. كلاهما مجرمان مستحقان العقوبة الدنيوية والآخروية.
  • تحريم الغدر والغيلة تحت أي ذريعة كانت.

وهنا أيضاً بيان بعض المهمات التي يجب أن تناط بكل مسلم:

  • دور العلماء وطلاب العلم في بيان حرمة الدماء، وأنها سبب لهلاك المجتمعات، وتفشي العقوبات.
  • الحرص على الاعتدال في بيان حرمة الدماء، وأن كل دم معصوم وجب الحفاظ عليه، وتفويت الفرصة على من أراد التمييز بين دم ودم.
  • إنشاء المراكز العلمية وتوعية الشباب المسلم في معرفة تعاليم دينهم الحنيف.
  • عقد الندوات وتوسيع دور العلماء وطلاب العلم في إلقاء الدروس والمحاضرات في المساجد والمدارس والجامعات لبيان حاجة المجتمع لهم في عمارة الأرض واستخلافهم فيها.
  • الابتعاد عن المذهبية والعنصرية والقبلية، والتعامل مع أفراد المجتمع على السواء، وأن كل فرد له مسؤوليته ودوره في الحفاظ على مقاصد الشريعة؛ فالشريعة عامة وليست خاصة بأحد.
  • نبذ التفرق والدعوة إلى الاجتماع، وإبراز سمة العفو والمسامحة والصفح.

هذا، وأسأل الله تعالى أن يحفظ المسلمين ويقيهم شر الفتن ما ظهر منها وما بطن.

 

 

تقديم الأستاذ الشيخ عامر اجبير فلاح عبد النمراوي

رئيس تجمع علماء الإعتدال في العراق

عضو ممارس معتمد A/CS0318

الاتحاد العالمي لتقنيات التنمية البشرية والتطوير الذاتي

Subscribe
نبّهني عن
guest
Country or city
التقييم
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
عذراً .. لا يمكنك نسخ المحتوى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x