الرئيسية

المنهج الوسط في عبادة الله تعالى

يداً بيد نحو مستقبل آمن ومزدهر

المنهج الوسط في عبادة الله تعالى !

◂ بقلم الأستاذ الشيخ عامر إجبير فلاح النمراوي ▸

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على نبينا محمد سيد الأولين والآخرين ، وعلى آله الطيبين وأصحابه الغر المحجلين وبعد …

أمر الله تعالى بعبادته وبيّن الحكمة من خلق الخلق ؛لأجل توحيده وإفراده بالعبادة فقال عز وجل ((وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون))  قال العلماء : اي يوحدون . ولسنا نتطرق الى توحيد رب العالمين ، فلنا وقفة إن شاء الله مع هذا الموضوع العظيم. لكننا نقف مع المنهج الوسط في عبادة الله عز وجل ؛ ذلك أن الناس فيه ثلاثة أصناف . طرفين ووسط ، طرف مغال ، وطرف جاف ، ووسط معتدل متمسك بما أمر الله تعالى وأمر رسوله (صلى الله عليه وسلم) .

وموضوعي ينطلق من حديث الرهط الثلاثة الذين جاءوا النبي (صلى الله عليه وسلم) يسألون عن عبادته.

فقد أخرج البخاري ومسلم في صحيحيهما من حديث أنس بن مالك (رضي الله عنه) (جاء ثلاثة رهط الى بيوت أزواج النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) يسألون عن عبادة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ، فلما أخبروا كأنهم تقالوها ، فقالو: وأين نحن من النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ؟ وقد غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر .

قال أحدهم : أما أنا فإني أصلي الليل أبدا.

وقال أخر : أنا أصوم الدهر ولا أفطر .

وقال أخر : أنا أعتزل النساء ولا أتزوج أبدا.

فداء رسول الله (صلى الله عليه وسلم) إليهم، فقال : أنتم الذين قلتم كذا وكذا ، أما والله إني لأخشاكم لله وأتقاكم له ، لكني أصوم وأفطر، وأصلي وأرقد ، وأتزوج النساء ، فمن رغب عن سنتي فليس مني.

هذا الحديث أصل في بناء شخصية المسلم على منهج الوسطية والإعتدال، ويا لله ما أعظم رد معلم البشرية (صلى الله عليه وسلم) وكيف غرس في نفوسهم بيان دينه السمح ، وأن الاقتصاد في العبادة مع المداومة خير من الإكثار مع الترك وهذا ما كان يربي عليه النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أصحابه ، فقد أخرج الامام أحمد في مسنده عن السيدة عائشة (رضي الله عنها) قالت : كان أحب الصلاة الى رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ما داوم عليها وإن قلّت.

ولا بأس لمن كان له نشاط أن يزيد في عبادته، وليس هذا موضوعنا ،لكن الإفراط والتفريط نقيضان لا يجتمعان ولا يزيدان صاحبهما إلا وهناً. وخيرهما الوسط العدل . أما ترى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كيف عالج الرهط الثلاثة مع أن مطلبهما خير :عبادة وزيادة فيه، ولو أعدنا النظر في مقترحهم ما وجدنا في الظاهر إلا خيراً لكن ما هكذا ربّى محمد (صلى الله عليه وسلم) أصحابه :

الأول : يصلي الليل أبدا ، بمعنى يصلي ولا ينام الليل . ظاهر الأمر مطلب خير. لكن من أمعن النظر وجد في نهيه (صلى الله عليه وسلم) أموراً.

أولها: مخالفتهم للقرآن الكريم الذي قسّم عبادة الليل للنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) فقال الله تعالى : (( إن ربك يعلم أنك تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه وطائفة من الذين معك والله يقدّر الليل والنهار)).

قال بعض المفسرون : ذكر الله في أول هذه السورة أنه أمر رسوله بقيام نصف الليل أو ثلثه أو ثلثيه ، والأصل ان أمته أسوة له في الأحكام ، وذكر في هذا الموضوع أنه إمتثل ذلك هو وطائفة معه من المؤمنين. ولما كان تحرير الوقت المأمور به مشقة على الناس ، أخبر أنه سهل عليهم في ذلك غاية التسهيل : (والله يقدر الليل والنهار)) أي يعلم مقاديرهما وما يمضي منهما ويبقى.

فأنظر الى رحمة الله تعالى كيف قسّم الليل وقيامه رأفة ورفعاً للحرج على نبيه (صلى الله عليه وسلم) وأمته . وهؤلاء كيف شددوا على أنفسهم.

الثاني : مخالفتهم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) فقد كان يصلي الليل وهو أشد عبادة وخشية لله وقد جاء في صحيح الامام البخاري عن المغيرة بن شعبة (رضي الله عنه) قال : قام النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) حتى تورمت قدماه….، ومع هذا القيام منه (صلى الله عليه وسلم) كان ينام الليل وبه أجاب الرهط.

الثالث : إن الدين جاء برفع الحرج والمشقة والتيسير على الأمة ، وما جاء به الأول مما لا يطيقه الانسان كما فيه تعب للنفس وهلاكها ، فأن للنفس حظاً من النوم ، كما للأهل حظاً .

الرابع : ولو أجاز لهم النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) ذلك لأبتدع الناس في دين الله تعالى ، و لأدخلوا فيه حسب أهوائهم ورغباتهم . وبه أجاب النبي محمد (صلى الله عليه وسلم): فمن رغب عن سنتي فليس مني.

قول الرجل الثاني : أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وفيه ما قدمناه وزيادة :

أولاً: أخبر النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) أن خير الصيام صيام داود (عليه السلام) فقد أخرج الامام البخاري في صحيحه عن عبدالله بن عمرو (رضي الله عنه) : قال لي رسول الله (صلى الله عليه وسلم): (يا عبدالله ، ألم أخبر أنك تصوم النهار وتقوم الليل؟) ،فقلت بلى يا رسول الله قال : (فلا تفعل صم وأفطر ، وقم ونم ، فإن لجسدك عليك حقاً ، وان لعينيك عليك حقاً ،وان لزوجك عليك حقاً ، وان لزورك اي ضيفك عليك حقاً ،وان بحسبك ان تصوم كل شهر ثلاثة ايام ، فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها ، فإن ذلك صيام الدهر كله ، فشددت فشدد الله عليك قلت : يا رسول الله اني أجد قوة قال فصم صيام نبي الله داود (عليه السلام) ولا تزد عليه) ، قلت : وما كان صيام نبي الله داود (عليه السلام) ؟ قال : (نصف الدهر ، فكان عبدالله يقول بعد ما كبر : يا ليتني قبلت رخصة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) .

وهذا الحديث فيه أيضاً دلالة لما سبق من عدم التشدد على النفس ، وحملها ما لا تطيق. وبيان الحقوق المتعلقة بالعبد من العبد كحق الزوجة والضيف ،وفيه نتيجة المخالفة والتشدد من عدم قبول رخصة النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) .

ثانياً: مخالفة الرجل لهدي النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) من نهيه عن صيام الدهر فقد أخرج إبن خزيمة في صحيحه عن مطرف ، عن أبيه ، أن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) قال : ( من صام الدهر ما صام وما أفطر ، أو لا صام ولا أفطر). وهو ما أجاب به النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) الرجل فقال : (فمن رغب عن سنتي فليس مني ).

أما الرجل الثالث : أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا … أيضاً قد خالف الكتاب والسنة : فالله عز وجل يقول : ((فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا)). والنبي محمد (صلى الله عليه وسلم) يقول رداً على الرجل الثالث : (وأتزوج النساء) ولأن الانسان بطبيعته التي خلقها الله سبحانه وتعالى يحتاج الى من يستأنس معه ويشاركه أمره قال تعالى ((وخلق منها زوجها)) ليناسبها فيسكن إليها وتتم بذلك النعمة ويحصل به السرور . ثم أعطى النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) هؤلاء المتنطعين المشددين على أنفسهم بما لم يوجبه الله تعالى ولا نبيه (صلى الله عليه وسلم) علاجاً لمن أراد السير على مناهجهم أو إقتفاء طريقهم بأنه ليس من هديه ولا من سنته هذا الفعل (فمن رغب عن سنتي فليس مني) وإن كنتم تظنونه خيراُ كما قال إبن مسعود (رضي الله عنه) :وكم مريد للخير لن يصيبه لكن ما لم يكن على هدي النبي (صلى الله عليه وسلم) فليس لأحد فعله وان كان في نفسه خيراً.

ويقابل هذا الجانب المنقطع المتشدد، جانب التساهل والإتكال وان شئت فسمهم المتكاسلين الذين لا يحيون سنة نبيهم (صلى الله عليه وسلم) ولا يقيمون لها وزناً ، وليس لهم من الإسلام إلا إسمه وليس لهم من القرآن إلا رسمه ، فالشهوات عندهم مفتوحة على مصراعيها، والدنيا قد دخلت قلوبهم حتى تمكنت منهم، وإن عملنا مع الرهط الثلاثة مقارنة علمت النقيضين وبان لك الوسطية والإعتدال :

فالأول : يصلي الليل أبدا وهذا المتكاسل لا يعرفه الليل إلا نائماً وكما قيل جيفة في الليل… والوسط بينهما ما روته السيدة عائشة (رضي الله عنها) قالت : لا تدع قيام الليل ؛ فإن النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) كان لا يذره وكان اذا مرض او كسل صلى قاعداً.

والثاني : يصوم الدهر ولا يفطر ، وهذا المتكاسل يفطر الدهر ولا يصوم وكم رأينا وسمعنا من أناس لا يصومون حتى في رمضان . والوسط بينهما قول النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) :(وان بحسبك ان تصوم كل شهر ثلاثة أيام فإن لك بكل حسنة عشر أمثالها فإن ذلك صيام الدهر كله . وكان من هديه (صلى الله عليه وسلم) صيام الأثنين والخميس.

والثالث : يعتزل النساء ولا يتزوج، والمتكاسل أطلق شهوته وما أمسكها وأحل لنفسه ما حرّم ربه تعالى وتعدى حدوده ، والوسط بينهما قول الله تعالى ((فأنكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم ذلك أدنى ألا تعولوا)) إن الإسلام دين الحق جاء بالحنيفية السمحاء ونهى عن الإفراط والتفريط  فلا غلو ولا جفاء بل الوسطية والإعتدال عقيدةً ومنهاجاً شريعةً وسلوكاً وآداباً ، فقد ذم الله تعالى الغلو فقال (( ورهبانيةً إبتدعوها ما كتبناها عليهم إلا إبتغاء رضوان الله فما رعوها حق رعايتها )) والرهبانية المبالغة في العبادة وذم التفريط  فقال عز وجل ((فخلف من بعدهم خلف اضاعوا الصلاة وأتبعوا الشهوات فسوف يلقون غياً)) وهذا خروج عن منهج الوسطية ، فإنهم ضيعوا الصلاة وهم لما سواهم من دينهم أضيع والسبب الداعي لذلك أنهم إتبعوا شهوات أنفسهم وإرادتها فصارت هممهم منصرفة إليها مقدمة لها على حقوق الله عز وجل ، ثم أمر الله سبحانه وتعالى بالوسطية والإعتدال مربياً عليها النفوس ومعلماً فقال عز وجل (( ولا تجهر بصلاتك ولا تخافت بها وإبتغ بين ذلك سبيلاً)) وقال عز وجل (( وأذكر ربك في نفسك تضرعاً وخيفةً ودون الجهر من القول بالغدو والآصال)) في آيات كثيرة تدل على عدم الإفراط الموصل الى التشدد والتنطع وعدم التفريط الدال على التكاسل والتقاعس وكلاهما مذمومان ليس من ديننا في شيء وهذا لعلي أطلت النفس قليلاً ، فما كان من صواب فمن الله ورسوله ، وما كان من خطأ وزلل فمن نفسي والشيطان . وأستغفر الله وأتوب إليه.

والحمد لله أولاً وآخراً … وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

يداً بيد نحو مستقبل آمن ومزدهر

Subscribe
نبّهني عن
guest
Country or city
التقييم
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
عذراً .. لا يمكنك نسخ المحتوى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x