الرئيسية

الخطاب الديني المعتدل ودوره في ترسيخ الأمن والاستقرار المجتمعي

يداً بيد نحو مستقبل آمن ومزدهر

 

الخطاب الديني المعتدل ودوره في ترسيخ الأمن والاستقرار المجتمعي

إعداد الأستاذ الشيخ عامر اجبير فلاح النمراوي

عضو ممارس ومدرب معتمد في الاتحاد العالمي لتقنيات التنمية البشرية والتطوير الذاتي

رئيس تجمع علماء الاعتدال في العراق وإمام وخطيب جامع القوي الأمين

1438هـ – 2017م

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين وعلى آله وصحبه أجمعين

أما بعد :

فالخطاب الديني رسالة تنويرية تهدف إلى بناء العقول وترشيد السلوك. هذه الرسالة تستمد شرعيتها من نصوص القرآن الكريم والسنة النبوية العطرة، وتتخذ من الوسائل الشرعية المتاحة طريقا لنشر كلمة الله الداعية للمحبة والسلام والخير للبشرية جمعاء وللمسلمين على وجه الخصوص .

 ونحن اليوم إذ نعيش مرحلة خطيرة من تاريخ الأمة الاسلامية ، حيث الاطماع الاستعمارية التي عادت للظهور من خلال تسلط الدول العظمى، وتدخلها السافر في أوطاننا ،وظهور الحركات المتطرفة التي شوهت الدين وافسدت الاوطان   بأمس الحاجة لبيان الخطاب الشرعي الوسطي البعيد عن الغلو في الدين ، الداعي الى تحرير الارادة الوطنية ورص الصفوف لمواجهة خطر تغييب الهوية الاسلامية والوطنية في الاجيال القادمة من أبنائنا .

ولبيان أهمية الخطاب الديني في عملية بناء المجتمع الإسلامي، أتقدم بهذه المحاور راجيا من الله تعالى لي وللقراء الكرام التوفيق والسداد خدمة لديننا العظيم ووطننا الحبيب .

وسأجعل محاور هذه الورقة المتواضعة لبيان :

أولا : مفهوم الخطاب الديني .

ثانيا : عقبات ومشاكل تواجه الخطاب الديني المنشود .

ثالثا : محاور الخطاب الديني المطلوب في المرحلة الحالية  .

أولا : مفهوم الخطاب الديني :

لسنا بحاجة لبيان المعاني اللغوية لكلمة (( الخطاب الديني  )) ، وذكر الحدود والتعريفات وفق قوانين المنطق المعهودة ، فالقصد هو بيان المفهوم المتداول بين الاوساط الشعبية والرسمية والذي يمكن تحديده بما يأتي :

الخطاب الديني : هو الدعوة والإرشاد من خلال الخطب، والمواعظ ،و الدروس التي تلقى في المساجد ومن خلال وسائل الاعلام ، وهو كذلك ما يصدر عن علماء الدين من أقوال أو نصائح أو مواقف سياسية تجاه مستجدات العصر ويكون مستندهم فيها إلى الدين .

من خلال هذا التعريف يمكننا تقسيم أنواع  الخطاب الديني المعهود في مجتمعنا بحسب نوع التأثير  :

أولا : الخطاب الديني المرتكز على قدسية المكان ( الجوامع والمساجد والتكايا )

ثانيا : الخطاب الديني المرتكز على قدسية الاشخاص( أهل الفتوى من العلماء المعاصرين ) .

ثالثا : الخطاب الديني المرتكز على سعة الانتشار(الخطاب المستثمر لوسائل الاعلام المعاصرة )

ومن خلال هذا التقسيم يكون انطلاقنا لتحديد مكامن الخلل في الخطاب الديني ومعالجة الهفوات التي نشأ بسببها الغلو والتطرف وتحصين المجتمع من الانحدار مرة أخرى لهذا الدرك الخطير .

ثانيا : العقبات والمشاكل التي تواجه الخطاب الديني :

إن الخطاب الديني المنشود هو الخطاب المتسامح ، الهادف لبناء المجتمع ، المراعي لطبيعة الزمان، والمكان ،وتحديات العصر، البعيد كل البعد عن الغلو في الافكار ، والعنف في السلوك، وهذا الخطاب هو الغاية التي ينشدها جميع العاملين في المؤسسات الدينية العلمية منها والدعوية ، ولأجلها عقدت المؤتمرات والندوات وكتبت البحوث والمقالات .

إلا إن هذا الخطاب يواجه عقبات متعددة تحول بينه وبين تحقيق أهدافه يمكن تحديد بعضها من خلال ما قدمته قبل قليل في تعريف الخطاب الديني ، اضافة لما يمكن تشخيصه من خلال دراسة الواقع الذي نمر به  وهي باختصار :

  • المؤسسات الدينية غير المنضبطة بضوابط رسمية : وهي المساجد والجوامع والتكايا التي تنشأ بعيدا عن رقابة المؤسسة الرسمية المختصة كـــ( ديوان الوقف السني ) والتي يتصدى للوعظ فيها أشخاص غير مؤهلين علميا أو أشخاص متأثرين بالفكر المنحرف للجماعات التكفيرية .
  • جهل بعض أهل الفتوى من العلماء بالواقع السياسي ، ووقوعهم تحت تأثير المواقف السياسية الارتجالية، وعملية التضليل التي تمارس بحقهم من قبل بعض السياسيين ، مما يجعل خطابهم قاصرا وغير دقيق ، ولا يلبي حاجة المرحلة التي يمر بها البلد .
  • الترويج الاعلامي لبعض المتمشيخين الذين ليس لهم باع في العلم الشرعي ، ومحاولة الاعلام بأشكله المختلفة أن يصنع منهم دعاة ، ومفتين ، وقادة ، والتسويق الاعلامي لكلامهم وفتاواهم دون تمحيص علمي ، مما يسبب إرباكا عند عموم الناس لعدم قدرتهم على تمحيص من هو أهل للفتوى والوعظ من غيره .
  • مشكلة السخط الشعبي الناقم من تجربة المظاهرات والاعتصامات التي حدثت سابقا في المحافظات السنية، والتي كان المتصدر فيها طلبة العلم والمشايخ ،والتي أعقبها هذا الدمار الشامل للمحافظات، مما جعل البعض يحمل المشايخ والعلماء نتيجة ما حصل ، وأصبح اعتراضه موجها للخطاب الديني بصورة عامة دون تفريق بين الخطاب المعتدل المطلوب في المرحلة الراهنة وبين الخطاب المتشنج الذي يسعى الجميع للخلاص منه .

هذه باختصار أهم عقبات الخطاب الديني في المرحلة الراهنة ، ولا يخفى على أحد أن علاج كل مشكلة يكون بتحقيق نقيضها والعمل بعكسها .

 فعلاج المشكلة الأولى يبدأ بتقوية دور المؤسسة الدينية الرسمية كــ( ديوان الوقف السني )وإحكام الرقابة على المساجد والجوامع ومنع أي شخص من اعتلاء المنابر دون موافقة رسمية ، كذلك التأكيد على الكفاءة العلمية للمتصدرين للوعظ والارشاد وادخال ذوي الوظائف الدينية دورات متعددة لتحسين أدائهم الوظيفي  .

أما المشكلة الثانية فعلاجها يكون بالتواصل المستمر مع أهل العلم والفتوى من مشايخنا الافاضل، واطلاعهم على كل جديد من الاحداث ،والمواقف ، كي لا يقعوا ضحية التمويه الاعلامي والسياسي لجهات تنتفع من الفوضى وعدم الاستقرار، تعمل دائما من أجل حجب المفتي والعالم عن الحقائق والتفاصيل التي لو اطلع عليها هذا العالم المفتي لكان موقفه مغايرا لما يطلبونه .

هذا التواصل مسؤولية الحكومة المحلية ، ومسؤولية المؤسسة الدينية الرسمية كــ( ديوان الوقف السني ) حتى تتكسر الحواجز الوهمية المانعة من تواصل العلماء مع القائمين على العملية السياسية في المحافظة .

  كما يجب العمل على دعوة العلماء للعودة الى مدنهم ومساجدهم ، وتوفير الحماية الكافية لهم، والعمل على تذليل كل العقبات التي تحول بينهم وبين أداء رسالتهم العلمية ، وبذلك نكون قد قطعنا الطريق على بعض السياسيين الذين يحاولون تضليل اهل الفتوى من العلماء تحقيقا لمشاريعهم .

أما المشكلة الثالثة فعلاجها يكون باستثمار الإعلام والوسائل الحديثة لإيصال الخطاب الديني لجمهور المواطنين، وتعريفهم بأشخاص الدعاة والعلماء الثقات، وتحذيرهم ممن هو دخيل على الساحة العلمية والدعوية، وتنبيه الناس على عدم  الاغترار بالألقاب والتسميات الجوفاء .

تبقى لدينا أهم المشاكل – من وجهة نظري – هي المشكلة الرابعة وهي حالة التذمر الحاصل عند بعض الناس من رجال الدين ، وهي مشكلة حقيقة تحتاج إلى وقت ليس بالقليل لمعالجتها ، لكن نستطيع التقليل من وطئتها بإبعاد الشخصيات المثيرة للجدل عن صدارة المشهد الدعوي في المحافظة ، والبحث عن وجوه جديدة تكون مؤهلة للوعظ والارشاد الديني .

ثالثا : محاور الخطاب الديني المطلوب في المرحلة الحالية :

لغرض تحقيق الهدف المرجو من ترشيد الخطاب الديني ، لابد من وضع خطوات عملية تسهم في تحقيق الامن و السلم الاجتماعي ، هذه الخطوات تنحصر في بدايتها بمادة الوعظ والارشاد المطروح في الساحة ، فلا بد من تجديد الخطاب الديني  أسلوبا ومادة والتركيز على بعض الامور المرتبطة بأمن المجتمع  والابتعاد عن كل ما يسهم في تفتيت النسيج المجتمعي  ، ولعل أهم ما يجب التركيز عليه حاليا :

  • ترسيخ القيم الأخلاقية والسلوكية بين أفراد المجتمع : فإن رسوخ القيم الأخلاقية الأصيلة من الصدق والأمانة، والوفاء، والعدل، والإحسان والرحمة، والعفاف، والشجاعة، والسخاء، والعزة والتواضع، والحياء وغير ذلك من الأخلاق، يسهم اسهاما كبيرا في خلق المجتمع الواعي المتكاتف الفاضل البعيد عن الامراض الاخلاقية  . فالأخلاق الإسلامية ينبوع رحمة يوصل إلى الفضيلة مما يثمر سعادة عامة شاملة لكل أبناء المجتمعات ، لذا وجب التركيز في الخطب والدروس على قضية الاخلاق ، والتعامل الاخلاقي المطلوب بين الناس .
  • ترسيخ الانتماء الوطني ، فإن الشعور بالانتماء للوطن من أهم الدعائم التي تحافظ على استقرار الاوطان ونموها ، وهو يعني المشاركة الإيجابية في أنشطة المجتمع، والدفاع عن مصالح الوطن، والشعور بالفخر والاعتزاز به، وترسيخ هذا الانتماء يكون من خلال بيان مكانة الاوطان في الاسلام وحرص المسلمين قديما وحديثا على خدمة وحماية أوطانهم .
  • احترام ثقافة الآخر ، والإيمان بسنة التنوع، وثقافة التعدد ، فديننا الحنيف يقبل ثقافة الاختلاف، والدعوة إلى سبيل الله تكون بالحكمة والموعظة الحسنة، أو المجادلة بالتي هي أحسن، بعيدا عن التعسف وتسفيه آراء الآخرين.
  • تعظيم حرمة المال العام ، فإن مِن أخطَر القضايا الّتي تُهدِد الأمن الاجتماعي والاقتصادي والسّياسي، الاعتداء على المال العام، والّتي أخذت صورا شتَّى منها: السرقات والرشوة والغش وخيانة الأمانة والاختلاس فلابد من محاربة الاعتداء على المال العام ، وممتلكات الدولة ،وحث الناس على حماية ما بين أيديهم من المؤسسات الرسمية.
Subscribe
نبّهني عن
guest
Country or city
التقييم
0 تعليقات
Inline Feedbacks
View all comments
عذراً .. لا يمكنك نسخ المحتوى
0
Would love your thoughts, please comment.x
()
x